الإثنين, 03 فيفري 2020 21:00

الذكرى الـ17 لوفاة أحد زعماء الجزائر... "بن يوسف بن خدة" رجل ثورة ودولة مميز

كتب بواسطة :

الذكرى 17 (04 فبراير 2003) لوفاة أحد زعماء الجزائر الثوريين السياسيين..الزعيم الراحل "بن يوسف بن خدة" أحد دعاة الحكم المدني في الجزائر المستقلة، انقلبت عليه قيادة الأركان، واستخدموا الرئيس بن بلة في صنيعهم الانقلابي البغيض، وسنوا بهذا سنة فاسدة مفسدة..وجه بارز مؤثر من الوجوه الكبيرة للحركة الوطنية التي فقدتها الجزائر، سياسي لا كالسياسيين، وثائر حر أصيل زاهد فيما يتهافت عليه الزعماء والقادة، كبير بعقله متواضع بسيط حسن المعشر، ناصح أمين، من أوائل المعارضين، ومن أقطاب الحكم المدني...

قوي الشخصية عميق الرؤية واسع النظر حكيم صريح لا يهادن ولا يجامل..كان ناصحا مُشفقا على بن بلة قبل توريطه، وناصحا أمينا لعباسي مدني قبل الانفجار..ولم يدركوا نصحه وحكمته إلا متأخرين..كان مثقفا ألمعيا محبا للعربية متعطشا لتعلمها، أصيلا ديَنا راسخ الانتماء، محافظا زاهدا ورعا، سياسيا حكيما ومتبصرا متمرسا..لم يتأثر بغواية عبد الناصر، ولم يستهويه بريق الاشتراكية، وكان أول من تراجع عنها بعد تأثر، سياسي غير إيديولوجي، قصير غير مكين...

فارق الحكم بعد الانقلاب عليه، وكان أول رئيس مدني، في جزائر استقلال الأرض..أزاحوه وحالوا دون استكماله للاستقلال الثاني: استقلال الإرادة والقرار..وعاش نظيفا نزيها لم يتلبس بحكم استبدادي ولا جرَوه إلى مستنقعهم..كان محلَ ثقة رفقاء دربه وإخوانه القادة في الثورة، كتوما لا تغريه الأضواء، متواريا عن الأنظار، يأنف البروز ولا يُكثر الظهور، ومات كما عاش بسيطا هادئا بعيدا عن البهرجة وزخارف الحياة، لا يمكن تقديرها بثمن. ويمثل حالة نادرة جدا نفتقدها، اليوم، في السياسيين والمثقفين.

تفرغ لصيدليته، وكتب مقاوما وناصحا ومعارضا ومناهضا ومُبيَنا..وعارض حكم بومدين وصاغ البيان (في 1976) مع بعض السياسيين التاريخيين الذين شاطروه فكرته، ووزعه بيده على الوزارات والسفارات والشخصيات، ثم وشوا به عند بومدين، فمنعه من الخروج من منزله في حيدرة وحرمه من صيدليته إلى أن جاء الشاذلي ورفع عنه الحظر، وأرسل له بمبلغ نقدي، فرفضه، وطلب أن يُعيدوا إليه صيدليته، وأن يعيش من كسب يده، كان آية في الورع والتعفف.

وفي 1986، كتب بيانا، بمبادرة منه ولم يشاركه فيها أحد، ينتقد فيها الأوضاع وسياسات الحكم، ومنعوا الصحافة من نشره..كان بيته قبلة للبقية الباقية من الثوار الأحرار والساسة، ناصحا ومناقشا وموجها، والنقاش معه متعة لا مثيل لها... إلى أن أسس حركة الأمة زمن التعددية، وحلها بعد الانقلاب العسكري الدموي..

وكان طموحه أن تكون الحركة جامعة لحكماء الحركة الوطنية من مثقفين وسياسيين والحاضنة الشعبية للحركة الإسلامية، ونصح قادة الإسلاميين أن لا ينغمسوا في الشأن الحزبي، وأن يلتفوا حول رابطة الدعوة، وينصب تركيزهم على الجوانب الإصلاحية، فخاب ظنه في كثير منهم، وما وجد آذانا صاغية إلا ما ندر، وكان يأسف لغفلة الإسلاميين في السياسية وسذاجتهم وانسياقهم، وقلَ فيهم العقل السياسي الناضج الحكيم..

ولم يهدأ ولم يجبن ولم يغدر، بل ظل وفيا لمواقفه ومبادئه، معارضا لسلطة العسكر ومن أتوا به، والتقى بالرئيس بوضياف، وحذره من حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لأن السرية دمار وخراب للبلد، ونصحه بالاستماع لكل الأطراف، وأن لا يقرر إلا بعد وضوح الرؤية ومعرفة العطب..ومن أوائل من حذروا من حكم بوتفليقة قبل تعيينه..

صحيح أنه ما ارتدى الزي العسكري، لكنه تميز بالهيبة والصرامة والعزيمة، وهكذا كان حاله في الثورة وبعدها. سجنه الجيش الفرنسي سنة 1943 لمدة ثمانية أشهر، في أول امتحان له، وكان أمينا عاما لحزب الشعب، المدرسة السياسية العريقة للحركة الوطنية التي خرَجت قادة وزعماء ومثقفين..

وشهد له محيطه السياسي أنه كان طاقة ثورية هائلة، وقائدا يمتاز بدقة التنظيم والترتيب والإيمان الراسخ بالمهمة التي سخر لها حياته المليئة بالإنجازات والمواقف، وفي كل مراحل نضاله، الثوري والسياسي، كان حسن الاستماع إلى الرأي الآخر ومناقشا عميقا هادئا ومتزنا، صاحب منطق وحجة وعقل راجح. وهو في كل هذا، بحث، من دون كلل ولا كلل، في الإسلام عن الحلول السياسية للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

بعد أزمة صيف 1962، انتزع منه المكتب السياسي القيادة انتزاعا وانقلبت عليه قيادة الأركان، وانسحب من الميدان تفاديا لإراقة الدماء بين الجزائريين، بعد أن حذر من سرقة الثورة، منسجما مع مبادئه التي آمن بها وشخصيته المسالمة، وأُبعد عن الحكومة المؤقتة الشرعية والمعينة من طرف المجلس الوطني للثورة الجزائرية، حلم بحكم ديمقراطي ضمن المبادئ الإسلامية، ومارس الديمقراطية في حياته السياسية، وتمسك بالطابع المدني للحكم وعارض توغل العسكرة، وكان يرى فيها شُؤما على حاضر البلد ومستقبله، ومن قناعته أن الانحراف الكبير بدأ قبل عام 1962 بكثير، وسيستمر هذا الانحراف بالانقلابات، وهو ما حدث فعلا، وتكرر إلى يوم الناس هذا. ومن وصاياه، قبل وفاته، العناية بالدين ونشره، وأن يصرف ما ترك من ماله ويُوجه إلى تأسيس مدرسة قرآنية، ونفذ ورثته وصيته من بعده.

وترك آثارا ورؤى تستحق المعرفة والفهم. ومن اليسير لمن عرفه أن يمزج الحديث عن فكره بالحديث عن سلوكه، لأنه ما كان يستطيع التفريق ولا الحياة بشخصيتين، كما يفعل كثيرون ممن يلبسون لكل حالة لبوسها. فالحكمة عند الزعيم "بن يوسف بن خدة" هي أن يعيش الإنسان وفق منهج حكيم يلزم به نفسه ويمارسه. 

والرئيس الشرعي "بن خدة" طالب حكمة كبير، ومنفّذ لما يؤمن به، وأعلى الشجاعة أن تعيش وفق ما تؤمن به، وليس وفق ما يرى الناس أن تكونه، فالغالب أن الناس يعيشون حياة القطيع، لأنها أسهل، ولا تحمّل الفرد صعوبة المخالفة للمجموع، ولا يحب مظاهر الرئاسة ولا ألقابها. وكان معتدل الرأي والشخصية ضد التطرف حيثما كان، ويمقت التكلف والتصنع، وما كان يحرص على أن يقول رأيه في الأشخاص إلا عندما يرى الحاجة كبيرة لذلك، ومن صرامته مع مبادئه أنه لم يقبل المساومة عليها، ولا التنازل عنها..

يبقى الزعيم السياسي الثوري والرئيس الشرعي المنقلب عليه من قيادة الأركان قي صيف 1962، رمز الشرعية السياسية والحكم المدني، ومن مفاخر ثورتنا التحريرية، ومن رموز الحركة الوطنية، وأحد صناع التاريخ الجزائري، والرجل ظُلم لدوافع سياسية وإيديولوجية، فقد كان سياسيا مثقفا ديَنا حكيما أصيلا راسح الانتماء، وقلَما تجتمع هذه المواصفات في زعيم سياسي..رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

قراءة 753 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 04 فيفري 2020 07:34