الأربعاء, 05 فيفري 2020 15:00

هل غابت الأيديولوجيا عن ثورتنا السلمية؟ مميز

كتب بواسطة :

في جلسة نقاش مفتوح ثرية، تركز الحديث عن الحراك والإيديولوجية: حراكنا الشعبي قام بلا أيديولوجيا، وهذا زمن "نهاية الأيديولوجيا"، وكان هبَة شعبية عفوية متدفقة وليس وراء ذلك أفكار أو أيديولوجيا. وهذا القول يحتاج إلى ضبط، فلا يمكن التسليم به إجمالا ومن دون تبيين...

الأيديولوجيا تراجعت وما اختفت، وهذا انتصارا للمصلحة العليا للوطن على مصالح الفئات والأحزاب والمدارس والتوجهات، فالثورة السلمية الضاغطة تخوض معركة حاسمة في مواجهة الاستبداد والطغيان، وفي هذه الحالة، كان لزاما أن تغيب الأفكار الجزئية، وتعلو فكرة واحدة وقضية متماسكة شاملة تمكن الجميع على الصمود في معركة رفع الوصاية عن حكم الشعب. ما كانت، ولن تكون، لحظة الثورة وقتا لوصفة تفصيلية تقدمها إحدى التوجهات أو المدارس لتعرّف الشعب كيف يتدبر أموره، فقد ارتقى الحراك الشعبي الممتد في لحظة نهوض واستفاقة ليتجاوز عقبة التوجهات، ومارس الحق في إبعاد الرايات الجزئية في المعركة الكبرى ضد الاستبداد، ولكنها ستعود بعد نهاية المعركة، إذ سيأْرَز، حينها، كل فريق إلى أيديولوجيته وهذا تحدٍّ جديد.

وليس هذا النقاش رغبة في تعقيد البسيط، لا أبدا، ولا مبالغة في وجود أفكار عميقة ومؤثرة يُصرَ مثاليون على غياب الأيديولوجيا عن ثورتنا السلمية الضاغط، ولكن مهم التوضيح أن ثورات الأزمنة المتأخرة كانت حصاد مهاد فكري وبناء وعي تراكمي طويل، ونتاج عمل وتحركات، إلى أن أصبح المجتمع جاهزا للتحرك.

حاولت الحقبة البوتفليقية وتمددها أن تفرض نزواتها وتضخمها وهيمنتها على المجتمع وتجعل من أمراضها وعللها أيديولوجية كاسحة، وأنها هي عين المصلحة الوطنية وهم حماتها..

وكان من نجاح الحراك الثوري الشعبي، وأمارات ذكائه، حسن التعامل مع سلاح الخصم بالتخفف مما تتهم به السلطة مناوئيها ومعارضيها، وعدم إشهار السلاح الأيديولوجي الذي تعرفه السلطة وتخيف الناس منه، وقدَم الحراك قضية شعب مهان ومهضوم ومسلوب الإرادة والقرار، وتجنب بهذا الدخول في معركة، جانبية، مع خصوم في الخارج وفي الداخل، وتجريد الحراك من كل أدوات قد تضره في مواجهة مناوئيه والمتربصين به. وكانت هذه الإستراتيجية صحيحة ونجحت، وربما لم ينفق أصحابها وقتا طويلا لتبنيها، ولكنها عفوية إلى حد كبير، وهذه حالة من الأحوال الأيديولوجية، كما يتحدث الدارسون، وهو التخلي المؤقت عن نفسها لتعلي من استجابة لتحدٍّ أكبر منها.

فالأيديولوجيا، وفقا للمهتمين بعالم الأفكار، تحرص أحيانا على الاختباء وراء أحداث وحقائق، مثلما تحرص على التمركز والعلن والتأثير في أحوال ومواقف أخرى..وتبين للجميع، في 22 فبراير، أن سُمّا داخليا يفتك بالكيان السياسي للبلد، ينهب وينهش ويحطم الروح والأخلاق والقيم ويجرد الشعب من حقوقه، والكل يتحدث عنه ولا يجتمع لمواجهته، ثم كان الحراك المزلزل والحدث الضخم الذي قلب الطاولة على الجميع.

والأفكار المضادة لهيمنة الحكم وتسلطه تنضج ويتراكم الوعي بها، ثم تلحّ على التأثير، وتنتصر في نفوس المؤمنين بها قبل أن تخرج للعمل، وهذا مجرب في الثورات، قديما وحديثا (من الثورة العباسية، وما لحقها من الثورة الروسية إلى الثورة الإيرانية)، وكان "فولتير" يبشر بالثورة والتغيير في فرنسا، وكان يرى التغيير قادما لا ريب فيه، ويرى الأفكار تلتهم أمة راكدة وتخرجها للحياة، ثم تصبح الثقافة أو الأيديولوجيا زادا للاحتجاج الشعبي، والمستقبل يولد على غير ما تصوره من يعمل له، ولكنه يحقق لهم بعض أمانيهم إن لم يكن كلها.وما تبين لبعض المفكرين، بعد طول دراسة وتأمل، أن الأيديولوجيا حاجة مُلحَة لكل عمل، فكل عمل يحتاج لفلسفة تقنع الممارس له.

صحيح أن شروط نظريات الثورات، التي تُدرس في بعض الجامعات في علم الاجتماع السياسي، توضع على الرف مؤقتا، فلا أيديولوجيا محددة، ولا يوجد زعيم ملهم، ولا تنظيم قاد ثورتنا ولا الثورات العربية عموما، فإن كانت الثورة الفرنسية سبقها عصر تمرد شديد على المسيحية واللاعقلانية والاستبداد، وفي روسيا أيديولوجية نظرية شيوعية قاهرة، وفي إيران تنظيمات ومواجهة للاستعمار ووكيله، وكانت مثقلة بانتقام ديني ممن حارب الدين باسم الحداثة، فإن ثورتنا السلمية والعربية، عموما، لم تكن تماما هذا ولا ذاك، بل كانت ثمرة للحاجات المغيّبة وإرادة التغيير واسترداد الخقوق المغتصبة ورفع الوصاية عن حكم الشعب، وثمرة لخير ما في الأيديولوجيا، ولكنها لم تُردَد الأيديولوجيا، وتعالى خطاب الحرية والكرامة والشرعية.

والذين خرجوا من شتى الأطياف في حراكنا المبارك، في 22 فبراير، كان لكل منهم أيديولوجيته الخاصة، وربما قضيته الجزئية، غير أنه كانت لهم قضية كبرى واحدة جامعة، فاستطاعوا تأخير الخلافات وتقديم الأولويات، والأولوية في مجتمعنا، وفي المجتمعات العربية عموما، مواجهة المرض العضال الذي يفتك بالعقول والاقتصاد والسياسة والكرامة، وهو "الاستبداد"، وقد كان، ولا يزال، قبيحا منفرا وشرا مستطيرا، بحيث لا يقدم أحد على شرّه شرا، فكان مَجمع الخبائث وسر العطب، وكان التركيز عليه أساس الاستمرار.

كان الحراك ثمرة الأفكار الرافضة والمقاومة والمصممة، ولكنه لم يُسخَر نفسه لخدمة الأفكار الجزئية ولا المدارس الضيقة ولا الأحزاب التقليدية، ولذا، لم تغب الأيديولوجيات عن حراكنا الثوري، واجتمعت على الاهتمامات الكبرى، وكان من واجبات العقول الثورية الإصلاحية مواجهة التطرف الأيديولوجي، لأنه طعام الاستبداد اليومي، وقد يفتك بمكاسب الثورة.

وكما كان الهدف الأعلى (إبعاد المفسد المستبد أو فرض التنازل عليه) جامعا لأطراف الحراك، أمكن التحصين وتحقيق قدر كبير من التماسك، وفي الوقت نفسه، كلما علا صوت الأيديولوجية في الحراك، كان أسهل على السلطة الفعلية تقسيمه وتفتيته من داخله بالفرز.

وأظن أن حراكنا الثوري أحسن هضم قصة الأيديولوجيا، وأحسن وعي الأفكار والتعامل معها، وهذا لا يعني أنه تجاوز كل محاولات السطو والاختراق من الطينة القديمة ومن خبراء المكر الإيديولوجي، لكنه يقاوم، ويعمل على تحصين مواكبه وزخمه وهديره، وحين يستعرض الحزبيون والمهووسون بالفرز الإيديولوجي و"نقاء الصف" ما يميزهم عن غيرهم بحثا عن استقطاب إيديولوجي أو حزبي، فتلك انتهازية سياسية يُحبطها الحراك.

وصراع الأيديولوجيات سياسة محطمة ومفتتة، لكنه اصطدم بحراك واع غير منساق تمكن من صناعة المتفق عليه أو الضروري، وقدر، على الأقل حتى الآن، على تأخير أو إخفاء الخصوصيات.

قراءة 266 مرات آخر تعديل في الخميس, 06 فيفري 2020 19:57