الأحد, 09 فيفري 2020 13:36

استمراره خراب للبلد وقفز نحو المجهول.. المشكلة تكمن أساسا في طبيعة نظام الحكم مميز

كتب بواسطة : كمال ب.د / خبير اقتصادي

قد يظن كثيرون أن الذكاء يتمثل في قدرة الواحد منا على إيجاد الحلول المناسبة التي تواجهه. هذا في حقيقة الأمر طرح غير صحيح، فالذكاء الحقيقي يكمن في القدرة على معرفة حقيقة المشكلة وتشخيصها بدقة. ومعرفة المشكلة أول وأهم خطوة في طريق حلها مهما كانت. وينطبق هذا على كل الحالات وفي كل مجالات الحياة. أحسن مثال لهذا حالة بلادنا منذ تاريخ استقلالها إلى يومنا هذا.

فقد جربت السلطة كل أنظمة الحكم وأساليب التسيير وصرفت مئات إن لم تكن آلاف ملايير الدولارات، ولكن وضعنا يتدهور سنة بعد سنة، فلا اقتصادنا مزدهر ولا تعليمنا تعليم.......فنحن في مؤخرة كل التصنيفات العالمية في تقريبا كل المجالات، ومازالت حالت بلادنا في تدهور مستمر رغم كل محاولات الترقيع التي لم تكن في الواقع إلا عمليات واسعة لشراء السلم الاجتماعي، التي يُنفق فيها بلا حساب، ولا يكاد يُرى لها أيَ نتيجة.وإذا كان هذا هو الحال عندما كانت الأموال تتدفق إلى خزينة الدولة، فما يكون اليوم والبلاد تشهد شُحَا في الموارد.

في حقيقة الأمر، فإن الوضع الذي نعيشه منذ عدة عقود ليس نتيجة أزمة اقتصادية ولا اجتماعية ولا استهداف خارجي ولا أزمة رجل أو جماعات. المشكلة تكمن أساسا في طبيعة نظام الحكم. فلم يُمكَن الشعب منذ 1962 من تقرير مصيره أو اختيار ممثليه بحرية، فتاريخنا المعاصر مليء بانقلابات عسكرية متتالية أو اغتيالات بالجملة.

فالنظام الذي حكم البلاد وما زال يحكمها منذ الاستقلال فشل في كل شيء، باستثناء نجاحه في احتفاظه بالسلطة رغم الكم الرهيب من إخفاقاته المدوية. فالحكم المتسلط والمستبد لا يمكن أن تقوم للبلاد، في ظله، قائمة أبدا. وأتعجب عند سماعي لبعض الأطروحات، هنا وهناك، الداعية لتجاوز الحراك وقلب صفحته والاستعداد لمعركة الدستور والتشريعيات بعدها. هل مشكلة الجزائر تكمن في الدستور؟ وهل صياغة دستور جديد سيمنح الحرية للشعب؟ الجواب لا يمكن أن يكون إلا بـ"لا".

كل الدساتير، عندنا، خضعت للسلطة وليس العكس، فكلما خالف نص من نصوصه مصلحة النظام دهسه. ولا يوجد أي مؤشر يدل على أن مصير هذا الدستور سيكون مخالفا لمصير الدساتير التي سبقته.ومن يدعو إلى انتخابات تشريعية، فإما أنه يفتقد إلى الحد الأدنى من الذكاء، وإما أنه يبحث عن مكان تحت شمس النظام، كما كانت أحزاب السلطة تفعل، ومن تجرأ وتمرد على المنظومة فإما أن تفتعل حركة تصحيحية تطرده، وإما أن يعاد النظر في ثمن الصفقة، وإما أن يُعاد بعث ملفات قديمة حُفظت إلى وقت الحاجة.

والجزائر ليست حالة خاصة، فلم توجد تجربة في عالم ولا عبر التاريخ لدولة قامت لها قائمة في ظل حكم مستبد ومتسلط، هدفه الوحيد البقاء فوق رقاب الشعب مهما كلف الأمر. ومن ينادي منذ أشهر بسقوط النظام قد شخص الداء وعرف حقيقة المشكلة التي تعيشها البلاد منذ 1962، وزاد عن كل هذا فوصف الدواء بدعوته إلى إرجاع السلطة للشعب، فاستحق بجدارة أن ينعت بالعبقرية في ظل سكوت جل النخب، التي لم تكن، للأسف، في مستوى الحدث.

يدرك النظام جيدا أنه لا يمكن له الاستمرار في ممارساته، وأن عليه التفكير في آليات تُمكَنه من تسليم السلطة بأقل خسائر ممكنة، وهو يدرك أيضا أن أي تعنت ستكون له عواقب وخيمة، وأنه مهما ربح من الوقت، فإن أيامه معدودة، فلم يتبق له إلا اختيار ما ستكتب عنه كتب التاريخ.

قراءة 162 مرات آخر تعديل في الأحد, 09 فيفري 2020 14:19