الأربعاء, 12 فيفري 2020 14:00

خُذ من الحراك ما صفا وادفع ما كدر مميز

كتب بواسطة :

مُهمَ جدا أن نفهم طبيعة الثورات وحقيقتها (ومنها حراكنا الثوري)..فليست على منوال واحد، ولا تخضه لدليل إرشادي، ولا نمط معين، ولا هي قالب جامد أحادي، ولا هي نصوص وقواعد إلزامية..فمن قائل إن الشعب لا يقود الثورة، بل لا بد للثورة من قيادة، ومن قائل إنها لا تحكم وإنما تُمكن الشعب من الاختيار الحر، ومن قائل إن "فتور" الثورة في لحظة ما قد يُفشلها، ومن قائل إن حالة التجانس في "الأيديولوجيا" بين الثوار من أهم عوامل نجاح الثورات..ومن قائل إن تواري "الايديلوجيا" والتخفف من حضورها، لا نفيها كلية، ضمان لتماسك الصف الثوري... وهكذا ما لا يُحصى من التوصيات والخبرات والتجارب..

لكن في الأخير يبقى لكل ثورة "بصمتها" وتجربتها الخاصة وعقلها ووعيها ومسارها...ولن تكون إلا هجينا خليطا من مشارب وتوجهات وعقول وأفكار، وليست هبَة عشائرية أو ملحمة مذهبية أو معركة قبلية، ولا هي صفاء نقاء ليس فيه ما يكدره، هذا يستحيل عقلا وعملا، ولن يكون..

وليس شرط الثورة أن تجيب عن كل سؤال، وأن لا يبرز فيها إلا ما نحب ونرضى، وأن لا يقع سمعنا وبصرنا فيها إلا ما يسرَ، فهذا ما كان وقد لا يكون..نعم، نحذر بعضنا بعضا ونتواصى بدوام اليقظة والتنبه، حتى لا يُضحك على عقول الثوار ولا بعقل الثورة ووعيها، ولكن هذا تدافع ومعركة نخوضها، لا يمكن التحكم في غمارها ولا مآلاتها عن بعد ولا بكثرة التقريع والتلاوم والتهويل..

فميادين الحراك وساحاته ليست مُفصلة على مقاس معين ولا هي وصفة واحدة تُلزم الجميع، وإنما ثمة تدافع داخل الحراك، قد لا يظهر للمراقب عن بعد أو الرائي العابر، ولكن الساحات تشهد بذلك، ومصلحة الحراك وقضيته المركزية تعلو على كل أفكار جزئية أو خصومات جانبية، لكن ثمة من يعمل على السطو والسيطرة وتشكيل ما يشبه سلطة القرار داخل الحراك، وقد ووجه بالرفض والصدود والنكير، وحتى إن نجح في بعض المجموعات، عجز عن التوسع والتمدد، ولا يزال الحراك متماسكا في مجمله عصيا على الكسر، يدفع ويضغط..

والأصل أن نحمي صفاء القضية والمبتغى الأخير، في رفع وصاية السلطة الفعلية المتغلبة المسيطرة على القرار وإقامة سلطة مدنية قوية منتخبة، من أي كدر إيديولوجي لأقلية أو تصريفه عن مساره أو أن تُفرض عليه وجهة معينة أو يُستدرج لأن يخوض معارك غيره أو يتحول إلى طرف في صراع عصب وأجنحة، أو أن يتيه في جدل هوية مُصطنع من نسج الأساطير والإيديولوجيات المناوئة وهكذا...

ومن يتوقع من الثورة أن توافق ما يرضى عنه، وأن تكون خلوا من أي شائبة، أو أن لا يرى فيها اعوجاجا ولا بعض ما يسيء لها، فهذا لن يتحقق له ما يرجوه، ولو عاش أزمنة طويلة، وإنما داخل الثورة، كما يقول الدارسون، ثمة ثورة أخرى هادئة بعيدا عن الصخب، في كثير من الأحيان، لحمايتها من الكدر ودفعا لأي تحريف أو اختطاف أو سرقة، وهذا ميدانه التلاحم مع الجموع المتدفقة في الساحات، وليس كلاما باردا مجردا عن بعد..

قراءة 149 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 12 فيفري 2020 16:53