الخميس, 13 فيفري 2020 13:46

طلاب الشريعة وإدراك واجب الوقت مميز

كتب بواسطة :

السياسة هي فن الممكن، أي أن تهتم وتبذل جهدك وتستفرغ وسعك إلى ما يمكنك فعله في أرض الواقع  وفي الظرف أو اللحظة التي تعيشها بعد تحليل ومعرفة دقيقة وإلمام مُستوعب بحقيقة الوضع والصراع والقدرات المتاحة. وهذا مناط التكليف والمحاسبة، ويدخل في قوله تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا وُسعها".. ويقتضي منك قراءة جيدة للواقع، وكسب المعلومة والتحرك ضمن قدراتك والمبادئ التي تحملها والمساحة المسموحة.

وأما الواجب المطلوب من الشخص، فهو أمر أقرب إلى التجريد والتنظير، وينحصر في ميدان المعرفة وقراءة النصوص واستيعابها، ولهذا يقول بن خلدون في فقهاء عصره إنهم أبعد الناس عن السياسة الفقهاء، لأنهم يعيشون في عالم النصوص المجردة.وليس كل فقيه يصلح للفتوى، أي يُحسن إنزال النص الشرعي على أرض الواقع، فهذا يقتضي زيادة على المعرفة والعلم، قراءة جيدة وصائبة الواقع المعاش.

وممَا يُلاحظ في كثير من طلبة الشريعة، أن تفكيرهم "ميكانيكي" تجريدي، يتعاملون مع نصوص ثابتة وليس ظواهر اجتماعية متحركة، وتلك النصوص يتعاملون معها من خلال آليات محددة صارمة جامدة، فينشأ عن ذلك منطق تفكير "ميكانيكي" يستثقل التفكير خارج النصوص. ويرى كثيرون أنه من المهم أن يكون لطلبة الشريعة مقررات في علم الاجتماع والفلسفة، هذه المجالات وأمثالها تجعلهم ينتقلون من التفكير في النصوص إلى التفكير في الظواهر والوقائع، ويجعلهم أكثر تأثيرا في المجتمع..

وليس كل من قال رأيا مجتهد، ولا كل من حفظ مسائل وانغلق على علم وقواعده، أمكنه التأثير والتقدير العملي، فالاجتهاد هو استفراغ (أي استنفاد) الوسع في الاستدلال والنظر للوصول إلى نتيجة، وليس مجرد الحفظ والإلمام، وحسن التقدير للموقف العملي يستوجب إدراكا لواجب الوقت تلاحما مع الواقع واحتكاكا بحقائقه وتفاعلاته، وإلا سيظل طالب العلم بعيدا عن ساحات التأثير، حافظا للمسائل دون قدرة على التأثير في جبهات الصراع القائم، وكأنه يعيش خارج زمانه ومكانه، وبهذا حرم نفسه مما تميز به العلماء العاملون الأوائل من التأثير في حركة الحياة وتوجيه الأحداث وخوض غمار المعارك والصراعات.  

قراءة 316 مرات