الإثنين, 17 فيفري 2020 09:28

تسلَقوا "العفوية" وضحكوا على العقول بـ"تجاوز الإيديولوجية"... لا وصاية على الحراك مميز

كتب بواسطة :

ليس توجسا ولا هو من الهواجس المرضية، بل عايناه، ونبهنا إليه، وحذرنا من توسع رقعته، لسنا مغفلين، وندرك أن صيحات اختفاء الإيديولوجية من بعض المتسلقين ضحك على العقول، واندفاع الشعب العفوي يوم 22 فبراير كان رائعا ولا يزال، وبعض "الناشطين" (تحت لافتات شتى) استغل هذه "العفوية" ليفرض وجهته، وهو في كل هذا يصيح في الجموع أن "الثورة بلا إيديولوجية" وهو غارق في الاصطفاف والاستقطاب الإيديولوجي..ومن يرفع شعارا لا يروق له، يتأفف ويضجر ويصرخ في وجهه: "لا إيديولوجية"، رأينا هذا وهدَأنا الوضع وغضضنا الطرف عن كثير من مثل هذه التصرفات الهوجاء.. والميدان يشهد..

وما حدث في 22 فبراير، وممهداته، كان هبة عامة عارمة على مظالم، وليس وراء ذلك أيديولوجيا، وقد اختفت أو تراجعت حيث يجب أن تفعل ذلك، وحيث تنتصر المصلحة العليا للبلد على مصالح الفئات والأحزاب، وكان لزاما أن تغيب السياسة الداخلية والأفكار الجزئية، وتعلو فكرة واحدة وحجة متماسكة شاملة تساعد الجميع على الصمود والوحدة لخوض المعركة المصيرية مع سلطة القمع والاستبداد.

فلم تكن لحظة الثورة وقتا للفرز الإيديولوجي، وارتقى في أثنائها الحراك عاليا متجاوزا عقبة الانحيازات والانتماءات الضيقة، ومارس الحق في إبعاد الألوان والمذهبيات في الملحمة الكبرى، وبعد نهاية المعركة سيأْرَز كل فريق إلى أيديولوجيته..وكان هذا ذكاء من الحراك للتخلص من سلاح الخصم المتربص الذي يستخدمه للفتك بالثورة من داخلها وتقسيمها.

وكانت هذه الإستراتيجية صحيحة ونجحت، وربما لم ينفق أصحابها وقتا طويلا لتأملها، ولكنها عفوية إلى حد كبير، وهذه من الحالات التي تتخلى فيها الإيديولوجية مؤقتا عن نفسها لتعلي من استجابة لتحدٍّ أكبر منها. فالأيديولوجيا تحرص أحيانا على الاختباء وراء أحداث وحقائق كحرصها على التمركز والعلن والتأثير في أحوال ومواقف أخرى، وتبين لغالبية الحراك الثوري أن سُمّا داخليا يفتك بالجسم السياسي والأخلاقي ويحطم المجتمع، والكل يتحدث عنه ولا يجتمع لمواجهته (الاستبداد والتسلط)، ثم كانت المواجهات الصغيرة والكلوم الغائرة هي التي قدحت نيران الثورة الشعبية الكبرى، وسبقتها كل الإرهاصات، وأسست للمواقف العامة.

ولكن يأتي، اليوم، من يتسلق سُلَم "ما بعد الإيديولوجيا" أو "الثورة العابرة للإيديولوجيات" (وهذا ما كان ولن يكون، التخفف منها نعم وتواريها، لكن التملص منها كلية، هذا وهم) والاندفاع العفوي لعموم الحراك الشعبي، ليحاول تصدر المشهد السياسي للحراك، بإقصاء مكشوف واستعلاء مقيت ومبادرة مريبة ووجوه بعضها متسلل وبعضها انحيازي فج وبعضها منساق..فهذا لا يخدم الحراك في شيء، وأضراره بليغة.. إعلاء المصلحة العليا لثورتنا السلمية تتطلب كثيرا من الاتزان والتغافل (لا الغفلة) وغض الطرف والتجاوز، لكن لا نرضى بالأوصياء ولا المتسلقين حرصا على تماسك الحراك، ولا بالتحركات المشوشة ولا بالصنيع المريب..

قراءة 211 مرات آخر تعديل في الإثنين, 17 فيفري 2020 10:37