الإثنين, 17 فيفري 2020 21:48

حراك الوطن نهضته مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

الوطن شخصية معنوية لا تختلف عن الشخصية الحقيقية من حيث المكوّنات والحياة والاستمرار والنهضة والكبوة، فالمسكون بالوطن، مثله كمثل الذي يحبّ أمّه، فإذا كانت الوالدة مريضة لا تقوى على الحركة، وليس من علامات تدل على بقائها حيّة إلاّ بقايا زفير وشهيق، فبدت كأنّها عديمة القوة؛ غائبة عن تقرير مصيرها، وبعد يأس أبنائها من استرجاع صحّتها، وبعد سعيهم  المستمر المتنوّع لاسترجاع عافيتها، بدأت أثار الحركة تبدو عليها، فحرّكت رموش عيونها، وفتحتها ثم تبسّمت، ونبست بكلمة، وارتعشت قدماها، و... قامت بجملة من التصرّفات تستشف منها أنّها على قيد الحياة...

الابن المهووس باستعادة والدته الحياة الفَرِحُ بهذا المكسب، اختلف إليه أخوته، وكلّ يدّعي أنّه باعث بَسْمَتِها، ومحرّك يديها، و قال آخر... فقال الأخ المهووس بوالدته لا تختلفوا بين يديها، وتعالوا نتّفق على استجلاب ما يشفيها من أسقامها، وتستعيد وقفتها وحضورها وحنانها الذي يغطينا جميعا، وهو ما نحن بحاجة إليه جميعا، ثم استرسل قائلا: إنّكم بالاسترسال في هذه المناقشات تصرفون طاقاتنا وأوقاتنا فيما يكون سببا في تفاقم مرضها، فيصرفنا هذا الطيش عن صرف العلاج لها، مرضها يتلخّص في المرض الذي استبد بها، والأورام التي شوّهت وجهها البهي، تتلخّص مُهِمَّتُنا في طرد ما استبد بها واستئصال الأورام التي لحقت بدنها، والتقرّحات التي تنخر كيانها، فتسيل قيحا وصديدا يستنبت فسادا في البدن، هل من العقل أن نتناقش ثم نختلف فيمن بدأ ببعث الحركة في  بدنها، وهل بدأت الحركة من عيونها أو يديها أو أقدامها أو لسانها؟ 

ما جدوى هذه المناقشات وما فائدتها بالنسبة للوالدة، هل هذا يحقق ذهاب أمرضاها فتسترجع وقفتها؟ هل نبقي أن التساؤلات مفتوحة فتشغلنا عن مداواتها؟ أرى أن الأمر المستعجل هو أنْ نتجنّد جميعا لكي تستعيد كامل عافيتها، هذا هو واجب الوقت.

الوطن أمّنا ونحن جميعا أبناؤه، ونهضته نهضتنا، وصحته صحتنا، ومرضه مرضنا، وتخلّفه هو نتيجة سننية لتخلّفنا، المسكون بنهضة وطن واسترجاع عافيته المادية والمعنوية، الوطن عنده لا يكون إلاّ بقومة كلّيّة، فقومة الوطن لا يتكون إلاّ بالكل للكل لصالح الكل، فهي ليست نهضة جهة وتخلّف أخرى، لأنّ الوطن مثله كمثل الإنسان الفرد في قومته، فلا يتصوّر عاقل قومة كلية للإنسان إلا بقومة قلبه وعقله وسواعده، فيعضنا يعدّ نفسه الساعد والآخر العقل، والثالث القلب، ماذا ينفع نهضة الوطن إنْ ادَّعى بعضنا أنه القلب النابض، وادّعى أنّ غيره دون ذلك، وماذا ينفع نهضة الوطن إن اختلفنا الجهة التي تمثّل العقل، والجهة التي تمثّل السواعد، ونحن نعلم أنّ كلّ الجزائريين الصامدين في ميادين الحراك الميداني وإخوانهم الذين تقاعسوا عن دوام مناصرته أو غادروه لسبب أو آخر (لا نريد الخوض فيه لكي لا نزيد شحنة التشويش على الوطن) يحبون وطنهم، ويعملون على رفعته ونهضته، وكلّكُّم تمثّلون عقل وقلب وسواعد الوطن..

فليس فيكم ولا منكم من ليس مهمّا بالنسبة لأمّه (الوطن)، فلا يشغلكم التباهي بالأسبقية أو الوظيفة الجزئية التي قمت بها لاسترداد الوطن عافيته، المهم أن ينهض الوطن باستئصال الاستبداد وتفكيك مؤسسات استنساخ الفساد، تلك هي معركة الوطن كلّ الوطن، لأنّه لا وطن لنا بغير مساحته ومكوّناتها التي نعرفها ونرافع وندافع عنها، هذا وطننا لا نقبل الدنيّة في شأنه، وطننا الذي اكتملت هويّته وجمعت كلمة الجزائريين في الدفاع عن تاريخه المجيد، والالتفاف على قيمه، فحراكنا الوطني يرافع عن كلّ الوطن، وكلّ الجزائريين، فليس فينا ولا منا من ليس مهمّا إذا عاش القيم الجامعة ورافع عن تاريخ أسلافنا..

نحن في الحراك المبارك يجمعنا الحدّ الأدنى من النضال الحراكي الميداني اليومي الدائم المبني على ثوابت المجتمع كما بيّنتها الوثائق المعاصرة التي أسّست للدولة الجزائرية، فلم يكن فينا عبّاد بقر ولا عبّاد شجر وعبّاد بشر.

حراك وطن هو مُعَبِّد طريق نهضتها المعاصرة، هو المساهمة في استرجاع الوطن بسمته وسير في سبيل نهضته، ويحقق هذا المقصد النبيل بتعاون كلّ الجزائريين في تعبيد طريق القومة الوطنية الراشدة، والطريق السريع لتحقيق هذا المقصد هو عودتنا جميعا إلى حراكنا المبارك، ونعمل على أن  يتوّج سعينا بتحقيق الشرعية الباعثة على استئصال الاستبداد وتفكيك مؤسسات الفساد، فعودوا أيّها الغيورون إلى حراككم فأمّكم الجزائر تناديكم.

قراءة 235 مرات آخر تعديل في الإثنين, 17 فيفري 2020 22:38