الثلاثاء, 18 فيفري 2020 07:33

أكبر معضلة يواجهها الحراك.."أجهزة" فوق الدولة والشعب مميز

كتب بواسطة :

ليس ثمة مؤسسة فوق إرادة الشعب وليس ثمة جهاز من أجهزة الدولة فوق المساءلة...ليس ثمة صنم عصيَ على الكسر..هذا منطق الثورات: تحرير الشعب من الوصاية، أيا كانت...ولغة التملق والنفاق تصلح في بلاط الحاكم وقصر السلطان، لكنها عار أبدي لا يُغسل في زمن الثورات....وأكبر خطر على البلاد هو تضخم أجهزة الدولة وانغلاقها ومعاداتها للتغيير ومحاربتها له..

والأسوأ في هذه "الدولة القومية الحديثة" أنها تتدخل في كل شيء، الذي يعنيها والذي لا يعنيها...وتسيطر على كل شيء..وتدَعي أن كل شيء يتعلق بالناس من اختصاصها وتمتد أجهزتها إليه..الغرب سوق لنا بضاعته "الدولة القومية الحديثة"، فكانت وبالا على أمتنا...

ولأن الدولة الحديثة نشأت في حقبة الصعود القومي، الذي كان المسوغ الأبرز لوجود العدد الأكبر من الكيانات السياسية الحديثة، كان للفكرة القومية تأثير بارز في بنية الدولة وتوجهاتها وطبيعة قراراتها...أوروبا نهضت بالدولة القومية وأنهت بها حروبها الدينية الدموية، ولكن أغرقتنا بها في أوحال التخلف والتبعية المُذلة، وجعلت السيطرة المطلقة، تقريبا، لأجهزة الدولة، فقمعت وحاربت، على مدى عقود من الزمن، أي حركة نهوض وتغيير حقيقي في بلادنا..

لذا، من النضال الحقيقي، اليوم، ضد الاستبداد والطغيان: النضال ضد غلوَ الدولة القومية وانغلاقها، وتضخم أجهزة سيطرتها واحتكارها للتقنين.

وقد عملت أنظمة الحكم المتعاقبة، منذ الاستقلال، على السيطرة على مؤسسة الدولة الإدارية، وأدى هذا إلى تقويض قيمها وإفسادها وتحويلها إلى أداة لخدمة الطبقة الحاكمة وسيطرتها، خلافا للنظام الإداري الحديث (الديمقراطيات الغربية)، الذي حافظ على مصداقيته واستقلاله، حيث تتوارث البيروقراطية، المدنية والعسكرية والأمنية، القيم والثقافة والتقاليد، وتقوم بدور الحارس لمصالح الدولة، المعبر عن خطابها، ومخزن أسرارها. أو، بكلمة أخرى، تعتبر هي الدولة.

وولَد المشروع التحديثي للدولة القومية عددًا من المتغيرات والتحولات، كان من بين أبرزها انهيار وحدة المرجعية في المجتمع الإسلامي. فهذا المشروع التحديثي، الذي استبطن أصلاً أنموذج الدولة الأوروبية - الغربية، لم يتردد في استلهام قوانين وتشريعات ومؤسسات وأنماط اجتماع وتصورات هوية، غريبة في جملتها عن الميراث الإسلامي. وبذلك، فقد المجتمع الإسلامي للمرة الأولى في تاريخه وحدة الثقافة والمعيار الأخلاقي والضمير. أما التطور الآخر، فتعلق بالتضخم الهائل في جسم الدولة وكتلتها البيروقراطية، والصعود غير المسبوق لسلطة البيروقراطية، حتى على حساب سلطات السلطان ذاته. ولم يكن لهذه التطورات أن تمر من دون رد فعل شعبي، ومنها الثورات..وللحديث بقية..

قراءة 246 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 18 فيفري 2020 07:49