الإثنين, 27 أفريل 2020 19:40

رمضان تربّص مغلق على الفضائل مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

ارتبط رمضان بالصوم، والصوم هو الإمساك والكف، شرعا: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس بنيّة الطاعة أي العبادة. وبيّن أنّه إمساك عن الحلال، وفيه ذلك إشارة قويّة إلى البُعْد عن المحرّمات في أصل الانتساب إلى خط الإيمان.

خصّ الله الصوم بمعاملة خاصة، فقد ورد في الحديث القدسي، قول الله تعالى فيما يرويه عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلّم):" كلّ علم ابن آدم له، إلاّ الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به، والصيام جًنّةٌ، وإذا كان يوم صوم أحدِكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابّه أحدٌ أو قالتَله فليقل إنّي امرؤ صائم. والّذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيَبُ عند الله من ريح المسلك. للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فَرِحَ، وإذا لَقِيَ ربَّهُ فرح بصومِه" [البخاري 1904]. قال ابن عبد البر: كفى بقوله (الصوم لي) فضلا للصيام على سائر العبادات، وهي إضافة تشريف وتعظيم، ومن انتسب إليه ناله شيء من شرفها، فهو شريف ما حافظ على الصيام ومتطلباته. ويتأتى شرفها من كون الصوم صلة خالصة بالله، ومن استحضر هذه الصلة ورّثته الصفاء، والصفاء طريقة عملية للترقي في درجات الكمال الإنساني ليكون الإنسان قريبا من الأنموذج الأكمل سيّدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم). فإن في الصوم كسر الشّهوة وتصفية النفس، فإذا صفت النفس من الرذائل تهيّأت للتحلي بأنواع الفضائل، كالتواضع والإنصاف من نفسه قبل غيره، واستحضار الحق في التعامل مع الخلق، وسائر الأخلاق السنية وصفات التزكية.

لهذا، فالصوم مشفى أمراض ضعف الإرادة وهيمنة الأهواء، كجعل الدنيا أكبر الهمّ ومنتهى مبلغ العلم والعمل.منح الله بهذا الشهر الكريم (رمضان) بني آدم فرصة التزكية والتدرّب عليها، إذ الصوم عموما وصوم رمضان على الخصوص يمثّل حقا وصدقا تربّصا مغلقا موضوعه التحقّق بالفضائل والتربية السامية على نيل المعالي، يتدرّب فيه المؤمن خلال شهر كامل ليحافظ على هذه الكمالات في بقية السنة، لا يعود الإنسان بعدها إلى سابق عده من الموبقات والتجاوزات، بل المطلوب أن يكون خلال سائر السنة ثابتا على هذه الخلال العظيمة. وما طلبه الشارع من التصرفات التي يتعيّن التطهّر منها ليست رمضانية بل هي أخلاق عامة تعدُّ من متطلبات الإيمان وصدق إسلام الوجه لله تعالى، لهذا فما ورد من منهيات ارتبط ذكرها بالصوم فيه دليل على أنّ الصوم تربية على التحكّم في الإرادة لنتزوّد به إلى سائر أيام السنة، فإنّ تركها أثناء الصوم شاهد صدق الصوم، والثبات عليها في غير أيام الصوم، أي سائر أيام السنة، شاهد صدق الانتماء إلى خط الإيمان والإسلام.

الصوم هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، وما يقوم مقامهما من الفجر إلى الغروب وهذا منع متعلّق بترك الحلال في وقت مخصوص، فمن باب أولى أن ينصرف العقل والقلب والإرادة عن أصل التفكير في اقتراف المحرّمات، وفي ذلك برمجة لنفس إيمانيا على ترك المحرّمات، فالمنع المؤقّت على الحلال تربية على الامتناع الدائم عن المحرّمات، لهذا منتظر من الصوم أن يمنع إرسال الجوارح في الزلّات، وإهمال القلب في الغفلات. لأنّ الغارق في هذا النمط من الاسترسال في الغفلات ليس له من صومه إلا الجوع والعطش، لقوله صلّى اللّه عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس للّه حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه".

وفي كلّ ما سبق، تأكيد على أنّ ترك الزور والعمل به في كلّ شعاب الحياة، عام يستوعب كلّ مراحل الحياة، وكلّ الأفراد وفي كلّ الأوقات وفي جميع الحالات، إنّه تربّص مغلق على تركها في رمضان، وهذا ليس مطلبا رمضانيا، ومن تدرّب عليه بصدق في رمضان حرر نفسه بعون من الله من كبت الشهوات والوقوع في أسر الغفلات، فيمكّنه الثبات عليها في رمضان، من جعلها خُلُقًا عاما ثابتا في سائر أيام السنة، فيترك الزور في سائر الأيام لثباته على تركه في رمضان، لأنّه بالصيغة المذكورة يعمّ كلّ زور، فعلا كان أو قولا، لا يُسْتَثْنى منه أحد، فمن لم يترك الزور والعمل به، فهو مشمول بهذا، بصرف النظر عن نوع الزور وشكله، وبالتالي فإنّ رمضان فرصة الإقلاع التربوي المؤسس على الترك الدائم للزور والعمل به في كلّ شؤون الحياة صغيرها وكبيرها، خاصها وعامها، ومن لم ينفعه رمضان في ترك هذه الموبقات، يندر أن تنفعه بقية الشهور للتطهّر منها.

جعل الله صوم رمضان طريقا معبّدة لنيل ما به تتقوى النفس على نوازعها التي تخلد بها إلى الأرض، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة: 183]، فصريح التنزيل على أنّ صوم رمضان طريق مهيأة لنيل التقوى والترقي في درجات الكمالات بالطاعات، وقوله (لعلّكم) أي رجاء السير في طريق بلوغ رتبة اليقين بالصيام، وسلوك هذا الدرب يتقوى به المؤمن على ترك المعاصي، ويتحرّر من هيمنة الأهواء والشهوات على نفسه، ذلك لأنّ الصوم يربي النفس على الضبط، والتحكّم في الإرادة، ولذلك كان من آداب الصوم المكمّلة الامتناع عن كل المحظورات، فلا يسب ولا يقول الزور، ولا يعمل به، ولا يجترح المنهيات بلسانه، ولا يقترف المعاصي بيده، ولا يفكّر بها بعقله، ولا يتعلّق بها قلبه، سواء كانت ذات بُعْد فردي أو بعدي جماعي، وذات البُعْد الجماعي العام أشنع لأنّها متعدّية وأثرها يشمل عموم الخلق، فكانت المعاصي المرتبطة بالدولة والمجتمع وعموم الشعب ذات أثر وخيم على الحاضر والمستقبل، وكان مجترحها أكثر جرأة على الله وعلى العباد والبلاد. رمضان فرصة للإقلاع عن المعاصي عموما ومنها المتعدية (ذات الأثر المتعدّي)، رمضان فرصة سانحة للعودة إلى جادة الطاعة الفردية والجماعية التي تستغرق الأفراد والجماعات والدولة.

قراءة 271 مرات آخر تعديل في الإثنين, 27 أفريل 2020 20:20

المقالات ذات الصلة (بواسطة كلمات مفتاحية)