الإثنين, 04 ماي 2020 05:27

قصة الحراك الشعبي مع "الإيديولوجيا" مميز

كتب بواسطة :

لم تكن لحظة الحراك الشعبي السلمي وقتا لوصفة تفصيلية تقدمها إحدى المدارس لتعرّف الشعب كيف يعيش ولا كيف يتدبر أموره، فارتقى الشعب الناهض في لحظة المحنة ليتجاوز عقبة الانقسامات الفكرية والإيديولوجية، ومارس الحق في إقصاء الانتماءات الضيقة والرايات الجزئية في القضايا الكبرى.يحاول النظام القديم المتجدد أن يجعل من نزواته وتبعيته أيديولوجية في وجه أيديولوجيات حقيقية أو متخيلة..

فكان المستبد التابع يحرص أن يقدم نفسه على أنه الخير في حرب مع عقائد الشر، وكان من نجاح الحراك الشعبي الذي يُحسب لها في الذكاء حسن التعامل مع سلاح الخصم بالتخلص من السلاح المدّعى أنه لها وتحمله، فقال للسلطة الحاكمة: ها نحن نخرج ضدك، ليس فقط مجردين من السلاح المادي، بل حتى من دون السلاح الأيديولوجي الذي تعرفه وتخيف الناس منه، وكانت هذه الإستراتيجية صحيحة ونجحت، على الأقل حتى الآن، وربما لم ينفق أصحابها وقتا طويلا لتأملها، ولكنها عفوية إلى حد كبير، وهذه حالة من الأحوال الأيديولوجية فقط، وهو التخلي المؤقت عن نفسها لمواجهة تحدٍّ أكبر منها. 

فالأيديولوجيا تحرص أحيانا على الاختباء وراء أحداث وحقائق كحرصها على التمركز والعلن والتأثير في أحوال ومواقف أخرى، ولكن تبين للجميع أن سُمّا داخليا يفتك بالجسم السياسي والأخلاقي والروحي ويحطم روح النهوض، والكل يتحدث عنه ولا يجتمع لمواجهته، ثم كانت المواجهات الصغيرة والجروح الغائرة هي التي قدحت نيران المواجهة العظمى، وسبقتها كل الإرهاصات، وأسست للمواقف العامة. ومن تعرف على أي ثورة قديما أو حديثا في تاريخنا أو تاريخ غيرنا يجد أن هناك مصائب حكومات تصنع أفكارا مضادة للخروج من مصائبها، ثم تلحّ على التأثير، وتنتصر في نفوس المؤمنين بها قبل أن تخرج للعمل منذ الثورة العباسية، فضلا عما سبقها ولحقها من الثورة الروسية إلى الثورة الإيرانية فإنها كلها شربت من ينبوع أفكار تنتقد وتصف الحل، فما كان "فولتير" يحتفل في نهاية حياته بمستقبل الثورة والتغيير في فرنسا إلا أنه كان يرى التغيير قادما لا شك فيه، ويرى الأفكار تلتهم أمة راكدة وتخرجها للحياة، ثم تصبح الثقافة أو الأيديولوجيا زادا للاحتجاج المنظم وشبه المنظم...

والمستقبل يولد على غير ما تصوره من يعمل له، ولكنه يحقق لهم بعض أمانيهم إن لم يكن كلها. وشروط نظريات الثورات توضع على الرف مؤقتا، فلا أيديولوجيا محددة، ولا يوجد زعيم ملهم، ولا تنظيم قاد الحراك الشعبي السلمي. فإن كانت الثورة الفرنسية سبقها عصر مكافحة شديدة للمسيحية واللاعقلانية والاستبداد، وفي روسيا أيديولوجية نظرية شيوعية قاهرة، وفي إيران تنظيمات ومواجهة للاستعمار ووكيله، وكانت مثقلة بانتقام ديني ممن حارب الدين باسم الحداثة، فإن حراكنا السلمي لم يكن تماما هذا ولا ذاك، بل كانت ثمرة للحاجات المغيّبة، وثمرة لخير ما في الأيديولوجيا، ولكنها لم تردد الأيديولوجيا، وتعالى خطاب الحرية والكرامة والديمقراطية..

فالذين خرجوا من شتى الأطياف كان لكل منهم قضيته، ولكل أيديولوجيته الخاصة، غير أنه كانت لهم قضية واحدة جامعة، فاستطاعوا تأخير الخلافات وتقديم الأولويات، والأولوية في المجتمع العربي مواجهة السم الذي يفري في القلوب والعقول والاقتصاد والسياسة والكرامة وهو "الاستبداد"، ولهذا كان على درجة من الوضوح والقبح بحيث لا يقدم أحد على شرّه شرا، فكان مَجمع الخبائث وسر التعثر، وعين الأفراد والأفكار عليه لا تخطئه، وكان التركيز عليه أساس النجاح.


حاجة الشعب الثائر الناهض مصنوعة في قالب لا يدين لفكرة ولا مدرسة محددة، إلا فكرة خلاص الإنسان المقموع الغائب الذي لم يسمح له أن يشارك من قبل في شيء ليقول: "أنا هنا، سأحوز كل شيء، بعد أن حرمني المستبد من كل شيء". إنه موقف شمولي يستعيد كل ثمرة الأفكار الحية، ولا يسخر نفسه للأفكار ولا للمدارس ولا للأحزاب..

وحراكنا الثوري أحسن هضم قصة الأيديولوجيا، وأحسن وعي الأفكار والتصرف بها، فقيمة الفكرة العظمى هي في تنفيذها في الحياة اليومية وفي توجيه إدارة الصراع. فإذا خفتت صراحة الأفكار حينا، وقللت من وضوح تحيزها وانتمائها، فلمصلحتها ولمصلحة المجتمع، أما حين يستعرض المثقفون والحزبيون شعارات تميزهم عن غيرهم لتبحث عن استقطاب شخصي أو حزبي، فتلك انتهازية سياسية على حساب مصلحة البلد والأمة.

فالذي يحتاجه مجتمع حرَ ناهض ليبني حياته ليس "أيديولوجيا واحدة جاهزة" ولا صراع الأيديولوجيات، بل حصاد ذلك أي الأفكار في مرحلة النضج والتنفيذ العملي لها، وهو المصلحة العامة المستخلصة من مساهمة هذه الأفكار في حل المعضلات، إنها الفكرة في ميدان العمل وهذا ما تحقق بدؤه. 

قراءة 239 مرات آخر تعديل في الإثنين, 04 ماي 2020 05:35