الأحد, 28 جوان 2020 18:39

لا يمكن إخضاع الحراك لنظريات وقوانين تتحكم في الغضب الشعبي مميز

كتب بواسطة :

لا يمكن إخضاع الثورات الشعبية التغيرية إلى قوانين صارمة تتحكم في السلوك وحركة الاحتجاج والرفض، وتحقق السيطرة على الإنسان الثائر الناهض، ومن حاول ذلك، قبلُ، من الباحثين والمراقبين والمستشرفين، خاب ظنه وتقديره، ومن وثق بأن بإمكانه أن يصنع قوانين نهائية لحركة التغيير الشعبية، فهو واهم، وسبقه إلى هذا كثيرون من أهل النظر والرأي من القرن التاسع عشر وفشلوا، وكان منهم المولع بصناعة النظريات عن شروط الثورات ومتى تحدث، ولماذا، وما هي ملامح أشخاصها، لكنهم لم ينتجوا نموذجا قابلا للقياس عليه أو قوانين يمكن العمل بها، فالإنسان هو نفسه دائما يحتاج لمراجعة القوانين التي ينتجها، فما اصطُلح عليها "مسلمات" تحتاج دائما إلى مراجعة ونظر. إذ إن هناك ظواهر تفصيلية لا تستطيع أن تلزم بها سلوك الإنسان، وهذا الأمر ينطبق على الثورات وعلى تحولات المجتمعات..

نعم، يمكن ملاحظة ظواهر ورصدها واستشراف ملامحها، ولكن رحمة بعقلك وبتاريخ المجتمعات لا تضع قوانين صارمة تلزم بها نفسك والآخرين، تحجب عنك الرؤية وتقيد أفق فهمك، فقد تجد قريبا ما يكسر هذه القوانين التي بنيت عليها مسلماتك...، فإذا كانت المسلمة جاهزة والشرط متوفر، فلا يعني، هذا وذاك، الانتقال لما بعده، لأن ما وفر الشرط الأول قد لا يكون هو ما يحقق التالي...وهكذا..

وقد توجد المظالم ويكثر الحيف والعسف، ومع ذلك لا يتحرك هذا الإنسان المقموع المضطهد المحاصر، وقد تتضح الأسباب وتنضج الظروف ومع ذلك لا يحصل احتجاج، كما قد تحدث أسباب بسيطة جدا وتنتج حركات كبيرة بناء على هذه المقدمات اليسيرة، فحمل الناس على الخروج إلى التظاهر وتحريك الشارع لا يخضعان لحسابات دقيقة ومعادلات رياضية، فثمة اعتبارات وظروف تؤثران في عقل الغاضب الناقم، فلم يهدأ الغضب، ولكن المشكلة أن التحركات السلمية المناوئة لسلطة الفساد والاستبداد ما عادت مُتاحة في ظل الظروف الحالية، فقد يأتي الإلحاح بالدفع المستعجل بنتائج عسكرية، فمراعاة نفسية الناس وظروفهم وخوفهم من الجائحة وحالة القلق التي تسيطر على تفكيرهم وعقولهم، لا يوصي بأي اندفاع وتعجل.

فالناس يترقبون الفرصة، وربما يريدون التظاهر مجددا لكن الظروف غير مُهيأة، لهذا يفضلون التريث إلى أن تتضح الرؤية وتنضج الظروف، وقد تنضج الظروف ولا يخرجون في وقت معين إلا في لحظة غير متوقعة، فهذه مسائل مرتبطة بنفسية الجماهير الغاضبة، لا يمكن ضبطها أو السيطرة عليها أو حتى التنبؤ بها، فليس ثمة وصاية على السلوك الإنساني...وربما أصبح الآن، أكثرهم، مقتنعا أن المعركة طويلة، وهي جولات وموجات، وليست نفسا واحدا، وهذا يدعوهم للتمهل والتريث، كما لا يمكن قياس مدى استيعاب عقول الغاضبين لموجة جديدة قريبة ولا مدى استعدادهم للانخراط فيها قريبا..

ويحرص المستبدون على جعل المطالب العامة خاصة وصغيرة ويحرمون الاحتجاج العام دائما، لأنه قد ينتج التغيير المطلوب، لذا فإن التغيير للأفضل لا يتم إلا في عمل مجتمعي ولا تنفرد به مجموعة أو كتلة محدودة، لأن الاحتجاج الشعبي عندما يكون حركة جامعة واسعة ممتدة عميقة، مؤثر يبلغ مداه في عملية التغيير وإن على مراحل، وأما تصور الاحتجاج قوانين والتغيير قوالب جاهزة، فهذا لا يقره تاريخ ولا تسنده حجة، فليس ثمة حتميات تاريخية ولا ثورية تتحكم في مسار الغضب الشعبي.

والذين حاولوا على مدار التاريخ أن يوجدوا قوانين حركات المجتمعات الإنسانية لثوراتها وخمودها لم يصلوا إلى قوانين يمكن الوثوق بها والقياس عليها، فكثير من تقديراتنا مليئة بالحدس والتوهم والظنون والقياس الذي قد لا يتحقق ولا ينطبق على أحوال أخرى، إلى جانب ذلك تلك الحقائق الاجتماعية المتفاوتة التي نزعم اتفاقها عندما تتطابق الأحداث مع التوقعات، فالمسألة لا يمكن ضبطها ولا القياس عليها ولا الوثوق بموجاتها ومسارها..

فليس ثمة إجابات افتراضية جاهزة وناجزة وقطعية، كما تتوهم "اليوتوبيا"، وإنما هو تدرج واع يراعي ما هو كائن في حدود طاقة الإمكان والمُتاح ويطور حركة الاحتجاج ووعيها وعقلها تدريجيا.

قراءة 210 مرات آخر تعديل في الأحد, 28 جوان 2020 19:06