الأربعاء, 19 أوت 2020 08:40

دعوا النبش في التاريخ، لا تبعثوا سموما تفتك بنا وتُوهن قضيتنا مميز

كتب بواسطة :

تُخمة التاريخ تُغرق معركتنا الكبرى ضد الاستبداد...نعم نحتاج للتاريخ، اليوم وغدا، بقدر ما يخدم التاريخ قضيتنا لا بما يشتت تركيزنا ويفسد علينا وحدة القضية والهدف الأكبر..

التاريخ لا يعيد نفسه، لأن المؤثرين فيه متباينون والظروف تختلف، وصراعات الماضي ليست، بالضرورة، صراعات اليوم، ولكلَ جيل رجاله وعقله، وكلَ يبحث عن حل لمعضلة زمانه ويتحرى لها ما يراه الأنسب.. لنتحرر من أسر الماضي، فأمامنا عدو فتاك ومرض عضال وطاعون مزمن هو الاستبداد، فلا يتقدم شر على شره، ولا قضية على هزيمته ومقارعته ودحره..‏

التاريخ هو أخطر سلاح حارق، يزرع مرة الغرور والتعالي، ومرة يوحي بالإحباط والعدمية والشعور بعدم الأهمية، ومرة أخرى يبذر الحق ويذري الباطل، ومرة يثير الزوابع، يُلهي ويُغرق، ويجعل آخر مهووسا بنفسه وبقبيلته أو عرقه أو منطقته، ويشعل أحيانا صراعات هامشية.. فاحذروه.ثمة قضايا في التاريخ الحاجة إليها لتوظيفها واستخدامها أكبر من حقيقتها...

فالتاريخ سلاح يقفز ولا يحبو، فها نحن نقفز قرونا نبحث عن أسلحة للفتنة، وعن حجة للعاجزين، فالنقاش المستميت حول قضايا في تاريخ البلد دعت إليه الحاجة السياسية وليست المصلحة العامة، ولا حرفة المؤرخ، ولا الحاجة للارتفاع فوق متاعب الماضي، فالذي يدور في بعض النقاش هو استخدام التاريخ، وليس التاريخ، وهذا استهلاك لعقولنا ولعواطفنا فيما يضرنا ولا ينفعنا..والأساطير لا تُنقد، فهي فوق التاريخ أو دونه، وأصبحت سلاحا في حرب الهوية أهم من التحقيق في الشخص والحدث، فالمهم وجود أسطورة كسلاح، وهذا أمر خطر.

وبما أن كثيرا من التاريخ هو "حيلة الأحياء على الأموات"، فإن بعث الغرائب والجدل يصلح لقضايا الحروب النفسية لا التاريخية، وللدعاية الإيديولوجية ومعارك الإلهاء..وما ألحقته الحاجة الإيديولوجية بالتاريخ أضعافه، ولم تزل الحاجات تجري على التاريخ بالزيادة والتهويل لتدوم الحياة للأسطورة المؤثرة الجامعة (للأولياء) المانعة (للأعداء)، إنه مزاج ساذج يشتغل بإحياء بالماضي السحيق والنفخ فيه ويغفل عما أمام العين.

وبما أن التاريخ لا يهم منه إلا حسن استخدامه أو سوء استخدامه، وهو في زماننا من المعارف والآداب الخطرة التي يثيرها أو يتمرن عليها المتخاصمون قبل تنفيذها في الميدان، فالأجدر بنا هو البحث في هل نحتاج إلى إحياء الماضي السحيق، الآن، أم لا، فالذي أخشاه أننا نبعث الموتى لوهن قضيتنا، فقد يستخدمنا أذكياء يحتالون علينا وعلى الموتى، ويتعاملون معنا بالطريقة نفسها، لأننا نستهلك الأفكار المُلهية ولا نعي حقها وباطلها، ولا نفعها وضرها. 

قراءة 135 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 19 أوت 2020 08:46