الأربعاء, 07 أكتوير 2020 19:30

دولة "البوليس السري"!! مميز

كتب بواسطة :

الأنظمة المستبدة إذا أوشكت على الموت قاومته بالعنف والقمع والتعذيب والتظاهر بالحياة والقوة، وهكذا يقاوم الحكم المشرف على الموت بنشر الخوف والترويع. 

وهكذا، كانت سيادة جهاز "الغستابو" (البوليس السري الألماني) وهيمنته على الحياة الألمانية والجيش والمدنيين تمثل أكبر كارثة للألمان، حتى إذا أراد القادة الألمان خلاص بلادهم من القيادة الاستبدادية لهتلر التي ورطتها في الحرب كان العائق هو "الغستابو". وكانوا هم المتنفذين وعلى أيديهم وتحت مشورتهم ودعمهم لهتلر هلك ملايين الألمان...وعندما أبعد العقلاء "الغستابو" وحكمه، عاشت ألمانيا الغربية حياة جديدة وكانت السلامة من سرطان الجاسوسية، ولكنه بقي قرينا للإرهاب والإجرام في ألمانيا الشرقية حتى تخلت ألمانيا عن "هونيكر" وزبانيته..

وتلجأ الأنظمة المنهارة في زمن شيخوختها إلى التجسس وأجهزة الاستخبارات، وترى أنه هو الذي يحفظ كيانها ويرصد أعداءها في الداخل! فتُضخم من هذا الجهاز وتُعلي من شأن مُخبريه وتفتح أمامهم الأبواب الواسعة، وهم يثحلَون مشكلات الدولة بالسوط والإرهاب ونشر الخوف في المجتمع فيتولى أشباح وأشباه رجال وخيال دولة وما فيها من الدولة شيء، إذ يجعلون المجتمع كله عبارة عن مكتب للتحقيق، تحت الضغط والمراقبة.

والمستبد مهما رأى أنه يملك أزمة الأمور فإنه سرعان ما يفقد كل شيء، يفقد كل سلطة وكل احترام، ويكون نقطة سوداء قاتمة في تاريخ الأمة أيَ أمة، وبمقدار ما يرى نفسه محترما معصوما صائب الموقف والقرار، يكون الرد عليه يوم سقوطه غاية في احتقاره واحتقار شخصه وأعماله.

وهناك حقيقة تاريخية تغفل عنها الحكومات، ألا وهي التناسب العكسي بين زيادة ونفوذ الجاسوسية وقوة الدولة، فكلما زاد عدد الجواسيس وقوي شأنهم ودورهم في المجتمع، كان زمن انهيار الدولة قريبا، ذلك لأنهم يكونون سلطة داعمة للدولة في البداية تحت هيمنتها في بادئ الأمر، ثم مشاركة مؤثرة في قراراتها في المرحلة الثانية، ثم تستبد بالأمر في المرحلة الثالثة..

وقد استعان المأمون العباسي بالجواسيس، وعمل في خدمته جهاز مخابرات قوي من الرجال والنساء حتى قيل: إنه بلغ عدد النساء اللاتي يتجسسن في بغداد ألفي امرأة، ولكن كان هذا من الأسباب التي أفقدته النفوذ في بغداد وتسلط الغرباء على البلاد حتى تسلم الأتراك السلطة وتحول الخليفة العباسي من بعد "المعتصم" إلى مجرد كلمة تقال يوم الجمعة!!

وعندما كانت روسيا تشيخ وتذبل ويهترئ جسمها كما كانت أجسام زعمائها الهرمين كبريجنيف، وتشيرننكو، وأندروبوف، الذين تلاحق هلاكهم في زمن قياسي، كانوا يحاربون هذه الشيخوخة والنهاية بمساحيق إرهابية ويحاولون استعادة أنفسهم وإشعار الداخل والخارج بأنه لم يزل في عظامهم مخ وقوة. والجاسوسية هي التي تضمن للحاكم البقاء وتحافظ على السلطة، وتسخر له البلد، ومن دون منازع، وفي الأخير تسلبه سلطته، وتنهي قوته وتجعله يعيش في زنازين الوهم والخوف.

ذلك لأن أجهزة الجاسوسية لا تبني مكانتها لدى الحكم إلا بعد إخافته وإذلاله وإشعاره بالحاجة الدائمة لهذا الجهاز الذي يبعده يوما بعد يوم عن الواقع ليغرق في وهم أن العالم كله ضده، وهي مشكلة تبدأ من إيجاد المكانة للجواسيس، حيث تسعى لإقناع الحكم بأهمية دورها ثم يصبح هذا اللعب والترويع عملها ليس للشعب وحده بل للحكم، تخيفه وترهبه حتى يأتي الزمن الذي تسلبه الحكم نهائيا أو تحتفظ به رمزا فارغا وتكمل مشوارها في ممارسة السلطة الفعلية التي تتهدم على رأسها ورأس الرمز أخيرا .

قراءة 389 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 07 أكتوير 2020 19:59