الأربعاء, 21 أكتوير 2020 14:07

الحراك مُدافعة مستمرة مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

مدافعة الاستبداد لمحاولات الإصلاح، وإنْ كانت لطيفة، عمليه سننية، وليست غريبة، وإن كانت تستهجنها النفوس الأبيّة،  لهذا ينتظر تنويع الأساليب، وينتظر منه عدم المواجهة في بعض محطات التدافع، وليس منتظرا منه الاستسلام على الإطلاق، بل هو ثبات على مسلكه متحمّل لأعباء التدافع مع قوى الخير والإصلاح. الحراك بوصف وعيا بالقدرة على التغيير، ينبغي أن يكون متميّزا بفائض ثبات على هذا الوعي، وصبر على تحمّل أعبائه، ذلك أنّ مدافعة الاستبداد وتدوير الفساد، قد تتمّ في أوضاع العادية بالضربة القاضية، ولكنّ الصبر على تحمّل الأعباء والثبات على المسلك، والاستعداد للنضال الدؤوب، هو المفضي إلى القضاء على الاستبداد في الزمن، لأنّ ما تشكّل في الوقت لا ينقرض إلاّ في الوقت.

فالاستبداد تشكّل في زمن ليس بقصير، ولم يولد مكتملا، بل اكتمل في الزمن، ولكي يبقى كذلك، يجنح الفساد والاستبداد المنشطات التي يورّط بها أكبر شريحة اجتماعية ممكنة، ومن مختلف الطبقات الاجتماعية، وما اختار هذا المسلك إلاّ لأجل الحفاظ على مكاسبه غير المشروعة، وتعقيد عملية استئصاله، ولعلّ من رؤوس الأساليب المستعملة في دفع استعادة الشعب لسيادته، القمع والتخويف والتلبيس والكيد، والإلهاء، والدفع إلى الاستقطاب، وشراء الذمم، وتشتيت التركيز، وتوريط عناصر جديدة وخاصة تلك التي كان لها نوع صلة بالحراك المبارك...وكان منتظرا من السلطة معاملة من يشوّش على مكاسبها، لهذا فهي تدفع إلى تلويث البيئة السياسية، بصرف المجتمع عن القضايا الصراع مع استبداد وتدوير الفساد، وخاصة قضية السيادة الشعبية، والحريات، ودولة القانون...

في ظل هذا الوضع تحاول السلطة تفريغ الحراك من محتواه وتحويله عن مقاصده الأساسية، وهي استعادة السيادة الشعبية، وتأسيس دولة القانون، والحريات في إطار أصالة الأمة، وهذا يوجب على النخبة الثبات على الحراك بوصفه فكرة مركزية، وليست اجتماعا موسميا، وهذا يفرض الصبر والثبات، لأنّ المعركة طويلة الأمد، وهي سيرورة، وليست موقفا مؤقتا.الثبات على الحراك كفكرة حركية عامة ونخبوية لا تستسلم للاستبداد ولا تقبل تطبيع الشعب بقبول الاستبداد.

ولأجل تفعيل الحراك والحفاظ على ديناميكيته العملية، يتعيّن العمل على إنشاء تكتُّل بتوسيع التلاقي مع كلّ الفرقاء (النزهاء) الذين يتبنون الحراك مسلكا شعبيا لإحداث التغيير، ويُشفع بمجلس تنسيقي، مؤسس على ميثاق شرف يؤسس على قبول الاختلاف في إطار الوحدة الوطنية (البيان المشترك). وأوّل معايير النجاح، أن ينطلق من مساهمة المجموعات المتجانسة فكريا، من هنا كان لزاما عليها تحديد الأولويات الحركية الميدانية، سواء تعلّقت بالحفاظ على المكاسب أو تحرير مساحات جديدة للوعي الحراكي الضاغط.

تتكفّل هذه المجموعة الوطنية المتجانسة بتيسير حوار مع المجموعات الأخرى، سواء كانت قريبة أو بعيدة فكريا، تعمل على تقريب الهوة بين مختلف التصوّرات في تفعيل الحراك واستعادة زخمه الميداني، ومناقشات مستفيضة في مسالك عودته (المقاربات)، الأعباء على المجموعة المحافظ المتجانسة كبيرة، فينتظر منها المبادرة إلى وضع تصوّر مشترك لاستعادة الفعل الحراكي ميدانيا، و إليه تعود أيضا مهمّة التنسيق مع مختلف التيارات والشخصيات الفكرية النزيهة.

والأجود أن نكون أهل إصغاء حتى لأولئك الذين اختلفنا معهم في بعض محطّات التدافع السياسي مع الاستبداد وتدوير الفساد، لا ينبغي أن نبقى حبيسي اللحظات التاريخية السابقة، فالسياسية حركية تستوجب استثمار ما تحتاج إليه في سياق التدافع، بصرف النظر عن ماضي مواقف المحتاج إلى التعاون معهم، أهم ما يتقيّد به في هذا الصدد أن يكون موقفهم السابق عن تقدير سياسي نفهمه، وقد لا نبرره أو لا نستسيغه، ولكننا على يقين أنّه اجتهاد في خدمة الوطن، وليس اندراجا في سياقات التوظيف الاستبدادي.

لهذا، من متطلبات النجاح أن لا نشغل أنفسنا بمعارضة المعارضة، ينبغي أن نفرغ الجهد في التأكيد على أنّ الحراك عمل وطني استراتيجي، قصده بالمقام الأول الحفاظ على الوطن، وتأسيس دولة مبناها السيادة الشعبية، وكلّ ما رأينا بأنّه يُبْعِدنا عن هذه المقاصد نعارضه بقوّة دون تردّد، وننفث في روع شعبنا بمعارضة هذه الاختيارات ميدانيا.

الطريق الأساسي لبلوغ هذا المسعى أهدافه هو الحوار الجاد، حوار مبني على قضايا أو مبادئ متّفق عليها في مستهل التحاور، لأنّه إن يفزع إلى المتفق عليه فيحدّده ويبني عليه مستقبل الحراك، نسدخل في دوامة دوامة التلاسن، والتشكيك، و...، وكلّها يصبُّ في آخر المطاف في دلو الاستبداد، ذلك أنّ الحوار المفضي إلى تفعيل الحراك، لا يمكن أن يخلص إلى المقصود ما لم ينطلق من وحدة الموقف في تصور الحراك، ووحدة الموقف بضرورة عودته، وأنّه أكبر قوة ضغط سياسي متاح في المرحلة الحالية، والاتّفاق استبعاد ما يضعف مطالب الحراك، ويشتت صفوفه، وهذا يدفعنا إلى التذكير بأن من أهم وسائل إضعاف صفوف الحراك التركيز على المختلف فيه والابتعاد عن الجوامع المشتركة، وأكاد أجزم أنّ الذي يركّز على ما يفرّق في اللحظات الفارزة في تاريخ الحراك، يخدم الاستبداد وتدوير الفساد، ذلك أنّه إحياء لمسالك الإقصاء والنفي، وهذا يخدم الاستبداد والاستبداد فقط، ويلحق بخدمته التفنن في نشر التشكيك، والتهوين من قدرة المجتمع على إحداث التغيير المنشود..

لهذا، كان من الواجب على النخبة بمختلف مشاربها شغل جماهير الشعب بِهَمِّ التغيير الشعبي العارم، ولفت النظر إلى ضرورة التركيز على هذه المهمّة النبيلة، والتنبيه إليها دون كلل ولا ملل (إذ يراهن الاستبداد على الملل)، وتحميل كل الناس مسؤولية إنجاز هذه المهمّة، وبذلك يشارك الجميع في تحمّل هذا العبء الثقيل، لأنّ الحمل يخفُّ مع تعميم تحمّل المسؤولية على العدد الكبير من الجماهير المُسهمة، فتسهل المهمّة على المجتمع.

قراءة 112 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 21 أكتوير 2020 14:19