الأحد, 25 أكتوير 2020 05:03

الانقلاب على الشعب مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يُستعمل، عادة، مصطلح الانقلاب للتعبير على استحواذ جماعة على السلطة باستعمال القوة العسكرية لإنهاء سلطة جماعة سابقة، أو هو استبدال سلطة بأخرى مدنية أو عسكرية، ولكن الانقلاب بصفته فعلا سياسيا يستعمل القوة الغاشمة أو الناعمة ضد مخالف سياسي.

وأخذت هذه الانقلابات أشكالا مختلفة، فمنها الذي استعمل القوّة الغاشمة والتصفية للمنقلب عليه ومن ناصره، كما هو حال الانقلاب الدموي الإمبريالي على سلفادور أليندي اليساري في الشيلي، وتصفيته ومن دافع عنه، وقد أكّدت الأيام ضلوع المخابرات المركزية الأمريكية وفي أيامنا القريبة الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي ضد الحكم المدني المنتخب، واقتراف جريمة نكراء يندى لها جبين الإنسانية، مات فيها عدد يفوق الخيال من المدافعين على الشرعية، كلّ ذلك تمّ بتواطؤ القوى الغربية الديمقراطية جدا جدا جدا، والحريصة على حقوق الإنسان جدا جدا جدا، وبيّنت الأيام أنّ المعارض للاستبداد مدافع عنه بشرط أن لا يكون أصيلا.كما عرف تاريخ الإنسانية انقلابات غربية ناعمة بأيدي محلية، مثله ما وقع في السودان، بدأ انقلابا شعبيا، ثم انتهى انقلابا عسكريا، على رزمة عسكرية سابقة، وانتهى إلى انقلاب على الشعب، انقلاب على إرادة الشعب السوداني، فقرّرت السلطة تقرير مصير السودان من غير تفويض شعبي، بل بإهمال الظهير الشعبي.

لهذا، فإنّ انقلابهم هذا، من نوع جديد، هو انقلاب سلطة على الشعب، سلطة بعضها قياداتها سودانيون بجنسيات غربية، كان الغرض منها الاستحواذ على القرار السياسي السوداني، وتوريطه مع شعبه، فكان هذا الانقلاب عامل توتّر إضافي للسودان عوض أن يضعها في طريق التنمية والتقدّم. ومنها الانقلاب السياسي الناعم على مطالب الشعوب، كالذي يقع الآن في لبنان بعنوان المبادرة الفرنسية، إذ بعد سنة كاملة ونيف من الحراك، يعود الذي أخرجه الحراك من الحكم إلى الواجهة مع صمت كبير لصاحب المبادرة، مما يؤكّد أن كلّ مبادرة فرنسية هدفها الحفاظ على مصالح فرنسا، وفرنسا فقط، ولا علاقة لها بمصالح اللبنانيين على الإطلاق، لهذا تنصّب في الحكم الأرضى بخدمتها (وأحيانا يحمل جنسيتها)، بل والأكثر طواعية لتطبيق أوامرها.

والحراك الشعبي في الجزائر الذي يُعَدُّ حقا وصدقا استعادة وعي الشعب بالوطن، وأهمية بنائه والحفاظ ليه، وعدم تركه ألعوبة بين أيدي مختطفيه، لهذا فالحراك ليس ببعيد أن يتعرَّض للانقلاب الناعم أو الخشن عليه إن لم ينجح الأوّل، ولأنّ الحراك هو حراك شعبي يتوق إلى تقرير مصير، فإنّ الانقلاب عليه، هو انقلاب على الشعب، وهو أسوأ أنواع الانقلابات على الإطلاق.

والراغبون في دوام الحال على ما هو عليه، وخاصة المستفيدون من الوضع، جعلوا السلطة نفسها مشغولة بسؤال مركزي مفاده: كيف يمكن للسلطة الاستيلاء على الحراك، إن وجدوا إلى ذلك سبيلا؟

ولأجل الخلوص إلى مهمّة الاستيلاء بذلت جهود ليست قليلة منها الخفي ومنها الظاهر، فمنها جهود تبذلها السلطة داخلها ومن داخلها، أو جهود لها ولكن بأيدي من خارجها، أو بمبادرات مبنية على جهود بعض الحراكيين مع ضمان مصبّاتها، وكلّ هذه الجهود تصحب بمحاولات تسميم الأوضاع الحراكية في الوطن، بنشر تشكيك الكلّ في الكلّ، واتّهام الكل للكلّ، ...وهي من الحيل التي يستند إليها لإفقاد المجتمع الثقة في قواها السياسية الحيّة وخاصة الحراكية النزيهة، والسعي في الوقت نفسه إلى الرفع من منصبو الثقة بها.

ومنعا لتنفيذ بعضنا من أن يكونوا من الأيادي التي تنفّذ الانقلاب على الشعب بالانخراط في مسلك الانقلاب على الحراك، وقطعا لطريق الاستفراد ببعض الحراكيين أو منعا لتأليبهم على بعض إخوانهم في الحراك، ينتظر أن نطلّق جميعا الأساليب السلطوية في تصوير الحراك أو وضع تصوّرات له، فضلا عن التفرّد بوضع خطط للحاضر والمستقبل، مدافعة الاستبداد لا تكون إلا جماعية بكلّ الشعب وجميع مكوّناته ولصالح جميع الشعب، وليس من البعض ضد البعض الآخر، يفرض أن يكون الحراكيون في خندق واحد في مواجهة الاستبداد وتدوير الفساد، وصد مؤمراته، فنمنع تفرّد السلطة ببعضنا، وهذا يفرض مشاركة جماعية فعلية في معرفة التحدّيات ووضع خطّة الطريق من خلال تحديد الأولويات السياسية والميدانية، ومن غير هذا نحن نستنسخ الخيبات، لأنّ مشروعا يهمل هذه المعطيات مآله الفشل، لأنّه يحمل بذرة فنائه فيه.

قراءة 180 مرات آخر تعديل في الأحد, 25 أكتوير 2020 05:24