الخميس, 05 نوفمبر 2020 05:26

الاستبداد إفشال مبرمج لكلّ نجاح واقع أو متوقّع مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يعلم العقلاء أنّ جهود إفشال المشاريع والأفكار التي تحمل بذرة النجاح هي ميزة خاصة بأنظمة الاستبداد وتدوير الفساد، ذلك أنّ الفرق بين الدول المتقدّمة والمتخلّفة، فالمتخلّفة لا تشجع النجاح العمومي النفع سياسيا واجتماعيا، والدول "المتقدّمة" تشجع الفاشل لكي لا ينخرط في سلك الفشل، فيصبح مشروع نجاح، كل ذلك لكي لا يكون عالة على الدولة. فضلا عن ذلك  ليس هناك دولة ناجحة وأخرى غير ناجحة، أي ليس هناك دولة فاشلة وأخرى غير فاشلة، بل هناك أنظمة متخصّصة في الإفشال المبرمج، وأنظمة أخرى تيسِّر إنجاح المشاريع، فترتقي بها من افشل المحتمل إلى نجاح، فهي مبرمجة على الرقي والترقية بزيادة منسوب النجاح في المجتمع.

الحراك الشعبي العارم مشروع نهضة سياسية رائدة لها تبعاتها الإيجابية في كلّ مجالات الحياة، ومظاهرها كثيرة متنوّعة:

-      جَعَلَ الحراك المبارك الشعب مؤمنا بقدراته على التَغَيُّر والتغيير، فلم يعد يؤمن بأنّه عاجز كما كان يشاع بأنّه قاصر عن التغير والتغيير، لأنّه قاصر عن الفهم، بل أبدى من الفهم ما لم يقو على فهمه كثير مِنْ مَنْ نشأ في سرايا السياسية ودهاليزها، فقد كان وما زال الحراك، مؤسسة عمومية بسند شعبي عارم للتكوين السياسي الراشد، وهو مركز أساسي للتثاقف السياسي العام والشامل بين جملة مكوناته من النزهاء.

-      إنّ الحراك مشروع نجاح -إن آجلا أو عاجلا- وكلّ محاولات إفشاله أو تحريفه عن مساره، سيجعل القائم على مشروع الإفشال من العاملين على منع تحويل الوعي بالقدرة على التغيير إلى فعل تغييري بالفعل، وسيتحمّل أمام الله ثم أمام الأجيال اللاحقة تبعات هذا المنع، والتي تتجلى في منع إغلاق مؤسسات الفساد والإفساد السياسي والاجتماعي والفكري والتربوي والحضاري، و...

-      الحراك وعي بالقدرات ووعي بأهمية العمل الجماعي لأجل تجسيد مشروع النهضة السياسية، فالشعب من خلال الحراك أكّد أن بعض الشعب لا يمكن أن يحقق ما به الوفاء بالنهضة السياسية المطلوبة، فالحراك قرّر حقيقة مهمّة -حاول الاستبداد استبعادها عبر مختلف المراحل- مفادها أنّ استعادة الوعي الوطني والدولة الوطنية كما أرادها الشهداء لا تكون بغير الكل الوطني، لأجل هذا الكل وبالكل، فلا مطمع من غير اجتماع الجماعة الوطنية بمختلف مكوّناتها لأجل إحداث الوثبة الوطنية الراشدة المطلوبة.

-      يمثّل الحراك تأسيسا جديدا للاستقلال كما أراده الشهداء، يتمّ بموجبه ترجمة الإيمان بالحق في التغيير فعلا سياسيا ميدانيا، وليس مجرّد موقف نظري، يقبل بموجبه أن تتولى السلطة أن تكون وكيلة عنه من غير توكيل حقيقي، يريد الحراك أن يستعيد الشعب حقّه في اختيار الوكيل  ويحدّد له موضوع الوكالة وقيّمها وحدودها الزمانية والمكانية، فلا تبقى السلطة تتصرّف في حق مُوَكِّلها على وفق أمزجة السلطة، ووفق أهوائها، وما يحقق المنافع لها، دون أدنى اعتبار للمُوَكِّل (الشعب)، يريد الشعب من خلال الحراك إنهاء هذه حقبة الوصاية في أقرب وقت وبأقل تكلفة مادية ومعنوية.

-      أكّد الحراك مُزَاوَلَةً أنّ مغالطة الشعب يمكن أن تنطلي بعض الوقت على بعض العامة و(الطيّبين)، ولكّنها تفتقد إلى عناصر الديمومة والبقاء، بل تحمل بذرة فنائها فيها، مهما طال الزمن، لهذا فإنّ الحراكي النزيه يبقى ثابتا في قلعة استرداد هذا الحق، فالمعركة ضد الاستبداد هي معركة ثبات على حق الشعب في بناء الدولة والحفاظ عليها، ومصير الاستبداد المحتوم أن ينتهي إلى غير رجعة، فليس هناك استبداد -في تاريخ البشرية- بقي أبد الدهر، لهذا العاقل يحدّث نفسه بأن يعمل على تحقيق هذا المقصد النبيل بيديه إن وجد إلى ذلك سبيلا، وإلاّ فهو مطالب بنقل هذا الوعي إلى الأجيال الصاعدة، والإصرار فعلا على هذا الحق، لأنّ في الإصرار تكوين مستمر للأجيال لأبنائنا وأحفادنا على تحقيق هذا الهدف النبيل.

-      الحراك في مقصده وعي شامل (الوعي بالقدرة، وتفعيل الإرادة الفردية والجماعية) لا يمكن إهماله، بل يحتاج إلى عناية دائمة ومستمرة، دفعا لأساليب ومشاريع الإفشال التي  تمارسها كثير من المؤسسات التي تعتاش من الاستبداد وتدوير الفساد، وهي من الظاهر يتعيّن الحذر منها في الأيام اللاحقة، منها على سبيل المثال:

• تكوين حراك ضرار.

• تحريف الحراك، وإشغاله عن الاستبداد بالمعارك الهامشية.• الثورة المضادة.

• تلويث الحراك.

• ربط بعض الحراكيين بالمجاري الفكرية والسياسية.

• تطويع الحراك ترغيبا وترهيبا، ومنها أن ينفث في روع البعض روح الزعامة.

• محاولة إخراج الحراك عن الصبغة الوطنية الجامعة.

• المراهنة على كراء (موسمي أو دائم) لبعض الألسنة المرشّحة للقيام بمهام، أو نشر التخويف...

• نشر فيروس التشكيك، بل تشكيك الكل في الكل، وإخراج الاستبداد وتدوير الفساد سالما من المساءلة والنقد، بل واستبعاده من ميدان المدافعة أصلا، وهي محاولة بائسة لاستبعاد الاستبداد وتدوير الفساد من المساءلة، بالرغم من إجماع النزهاء على أنّه (الاستبداد) أساس البلاء ماضيا حاضرا ومستقبلا، ومجرّد الوقوع تحت طائلة هذا التحليل، يرشّح ناشره للتطوّع للقيام بدور واقي صدام في الزحام السياسي، يستعمله الاستبداد في دفع الحراك والتشكيك في قدراته وقيمته.

يراهن الاستبداد على هذه الأساليب لأنّه مطبوع على إفشال كلّ نجاح متوقّع أو واقع، لهذا لا تنتظر أن يسلّم الاستبداد المشعل إلى الحراك بسهولة، بل ينتظر أن يقوم بدفع وصول الحراك إلى مقاصده بكل شراسة، وإذا كان الاستبداد وهو على باطل يرفع لواء منع الحراك من بلوغ أهدافه بثبات، فلا طريق أمام الحراك غير الثبات الوطني الشامل على مطالبه، ذلك أنّ الثبات على الحق أوقع في النفس لوجود دوافعه النبيلة في النفس من جهة وغاياته الرفيعة من جهة أخرى،  بخلاف الاستبداد فإنّه يفتقد لنبل الدوافع ورفعة الغايات، فهو يتحرّك بدوافع غير نبيلة، وغايات غير شريفة. 

قراءة 109 مرات آخر تعديل في الخميس, 05 نوفمبر 2020 05:33