الخميس, 05 نوفمبر 2020 23:52

"بورقعة"...رجل الثورتين مميز

كتب بواسطة :

ليس ثمة مجلس إلا ويروي فيه بعض أمجاد رفقاء السلاح أيام الثورة التحريرية، الثورة لم تغادره للحظة، ملكت عليه عقله وروحه، لا يستطيع أن يفارقها ولو لبعض الوقت، هي قصة وفاء تُروى ولا تُطوى، إذا حضر الرائد بورقعة، رحمة الله عليه، حضرت الثورة قطعا لا محالة، ذاكرته التاريخية لم تخذله..العسكرة أفسدت على الثوار انتصارهم بعد الاستقلال، وسلبت الثورة الإرادة السياسية، فكان ما كان، ممَا نتجرع مرارته إلى يومنا هذا..

تختلف معه، ربما، إذا ابتعد عن الجزائر، أو تحدث تحت تأثير مخلَفات اليسار المندثر وإرث "القومجيين" الموبوء، أنكرتَ عليه موقفه من المجرم الطاغية الأسد ومن على شاكلته، وتشكيكه في الثورات العربية، وكان في هذا أقرب إلى موقف القوميين المتحالفين مع البعث، لكن إذا حدثك عن حكمة الثورة ومحنها مع بعض أبنائها ودخلائها، فاصغ له باهتمام وشغف، فإنما أنطقته التجارب وطول التمرس..

يستهويه الحديث عن الخطط والسياسات الصهيونية في المنطقة، متابع لقضايا وشؤون العرب، يقص عليك قصصا من أسفاره ومواقفه مع شخصيات بارزة في المنطقة، لكن الحراك شغل باله وتفكيره منذ الانفجار الشعبي في 22 فبراير، كان واضحا في مواقفه: يريد التجميع والتوحد لمواجهة سلطة القهر والتغلب، لكن رفض كل محاولات التفاوض في الغرف المظلمة أو التفرد به بعيدا عن الحراك..

قيم الثورة تأبى عليه الغدر أو الاستئثار أو المقايضة، كان صريحا في هذا: لست إلا أحد ناشطي الحراك، لا أتجاوزه ولا أتخطيه، حتى الرسالة التي وصلته من الرئاسة في الصيف الماضي، وكانت تحمل عرضا ببعض التنازلات مقابل وقف الحراك، كشف عنها في لقاءاته وجلساته مع بعض سياسيي الحراك، ورأى فيها لغما رفض أن تنفجر في يده، وأوصى بالكشف عنها قبل مماته، وهو ما تتحقق..يعرف ألا عيب السلطة ومناوراتها، ولا يتردد في كشف حيلها، صاحب حس سياسي، ليس بالمندفع المتهور ولا بالمتردد الرعديد، ما كان يتطلع إلى الزعامة، ولا كان مُهتما بالتصدر والظهور الدعائي، ولا تستهويه الأضواء ولا أغرته العروض، صدق الحراك فصدقه، وكان وفيا له إلى آخر لحظات حياته، فكافأه الحراك بأروع صور الوفاء في جنازته...وقد يصحَ فيه ما قاله "شوقي": وكن رجلاً إن أتوا بعده يقولون مر وهذا الأثر.

قراءة 102 مرات آخر تعديل في الجمعة, 06 نوفمبر 2020 08:58