الأحد, 22 نوفمبر 2020 11:23

الانتقالية صراع بين نسخ...من الحراك إلى النكهة فرنسية مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

تجاذبت فكرة المرحلة الانتقالية العديد من الرؤى المتباينة، أوله الطبعة التي أرادها الرئيس المستقيل امتدادا لفترة حكمه، تيسيرا لوصول من يضمن له مصالحه والفريق القريب منه، ونادت جهات سياسية (لها نوع انسجام فكري عام سابق) معتمدة، لها نضالات سابقة في مواجهة "الغول"، كما يحلوا للسلط المتعاقبة على حكم الوطن وصفه، فنادى هذا الفريق بالمجلس التأسيسي، وهي نوع من المرحلة الانتقالية، ولكن الحراك بزخمه الشعبي وتنوّع روافده الفكرية ونزاهة كثير من إطاراته النضالية، لم يعر هذا المشروع كبير اهتمام، نعم  كان له حضور باهت في بعض الدوائر الضيّقة، ولكنّه وطنيا بقي محصورا في اللون "الفكري" المشار إليه، وهو لون له نوع صلات بدوائر الحكم منذ أمد بعيد، وما زالت هذه الصلة، ذلك أنّ أغلب "التياراتّ" السياسية المعتمدة تنشأ على عين سلطة الاستبداد وتدوير الفساد، ولا شكّ أن لتخويف من الغول وجود ضمائر مستعدّة للقيام بدور نشر التخويف، ومجرّد القبول بهذه المهمّة غير الشريفة السياسية ينخرط أصحباها في تشتيت تركيز الحراك الشعبي، فيحاولون الهيمنة على الضمير الجمعي  العام بالنفث في روع بعضهم التخويف من الغول، وهذه تمثّل ثلاثة نماذج للمرحلة الانتقالية.والأنموذج الرابعة هو الذي نادى بها غالبية الحراك الشعبي المبارك في فصله الأوّل، وهو مقتضى تطبيق المادتين السابعة (7) والثامنة (8) من الدستور، ونص المادة السابعة:" "الشّعب مصدر كلّ سلطة، وأن السّيادة الوطنيّة ملك للشّعب وحده".

والمستفاد من المادة أن الخروج من مرحلة الاستبداد والإغلاق السياسي الاستبدادي لا يتم بغير الرجوع إلى السيادة الشعبية، والرجوع الحقيقي إليها يمرّ ضرورة عبر مسالك محررة من الأساليب الاستبدادية المبنية على القهر والقمع السياسيين، والتضييق على القوى السياسية التي لها ظهير شعبي قوي، أي منع الظهور السنني لقوى التغيير السياسي السلمي السلس، وتؤكّد هذا المعاني بوجه آخر نص المادة الثامنة، والني تنص على ما يأتي: "السّلطة التّأسيسيّة ملك للشّعب.

ويمارس الشّعب سيادته بواسطة المؤسّسات الدّستوريّة الّتي يختارها، يمارس الشّعب هذه السّيادة أيضا عن طريق الاستفتاء وبواسطة ممثليه المنتخَبين" فتكون الإرادة الشعبية أساس المرحلة انتقالية الحقيقية التي تنبثق عنها مؤسسات وفق ما يرتضيه الشعب، لهذا تنادينا وغيرنا من النزهاء إلى مسالك أكثر موضوعية وسلاسة للتغيير السياسي المرن، فبادرنا إلى تشكيل رأي له سند شعبي يعبّر عن توافق عريض بين نزهاء الحراكيين، وعملنا على إسماع هذا الرأي الجمهور العريض بقدر الطاقة بالصوت والصورة وسجّلناه في مدوّناتنا، مفاده أن تؤسس في هذا الظرف الاستثنائي الوطني حركات وأحزاب سياسية بمجرد التصريح، فنبتعد بالحياة السياسية عن الأساليب القديمة في تأسيس المؤسسات السياسية واعتمادها، وتصادق السلطة على اعتماد الشعب للحركات السياسية، أي نطلّق بشكل بائن تأسيس الحركات السياسية بناء على التقارير الأمنية، ونؤسس بناء على التقارير الشعبية التي تعبّر عنها صناديق الانتخاب الشعبية. هذا مما تنادينا إليه وغيرنا من النزهاء في الفضاء الحراكي الوطني.

ما ذكرناه سابق هو أوائل النسخ الحراكية للمرحلة الانتقالية، ولكن السلطة تصرّفت معها بالرفض أولا، ثم تشويه الداعين إليها، فنال دعاة هذه الأطروحة في الفصل الأول من فصول الحراك حظا وافرا من التشنيع، واعتبرت الدعوة للمرحلة الانتقالية إدخالا للوطن في مسارات مجهولة، وإذا بالمشروع الذي اختارته السلطة منفردة وأوجدت له المسوّقين عبر مختلف المراحل وفي كثير من الطبقات، يدخلنا فعليا في متاهة المجهول، ففروا من المجهول ليجدوا أنفسهم في قلب المجهول، فلم تفلح المقترحات غير المدروسة بدءًا بالانتخابات الرئاسية ثم الاستفتاء في إيجاد حلحلة سياسية حقيقية، فبقي نزهاء الحراك أوفياء لمطالبهم الرئيسة (التطبيق الفعلي للمادتين السابعة والثامنة من الدستور)، أي الاتّفاق العملي على ضمانات الوصول إلى الإرادة الشعبية السيّدة، ومسالك صيانتها وتجسيدها في المسعى السياسي، فلم ينطل على الحراك حيل التسويف الناعم الليّن الذي بقيت السلطة وفية له في ممارساتها في إدارة الأزمة السياسية المستحكمة.

وقد كان فشل السلطة في التعامل الإيجابي مع الحراك ظاهرا في الحدثين الرئيسيين (الانتخابات الرئاسية، والاستفتاء على الدستور)، وكان هذا بدوره سببا في ظهور حديث عن مرحلة انتقالية بنكهة فرنسية، فهل ما تناوله رئيس هذه الدولة هو ذات ما دافع عنه الحراك في فصله الأول، أم أنّ فرنسا الوفية لتقاليد ماضيها السياسي الاستعماري، تريد نسخة أخرى مباينة للنسخة الحراكية؟

القاعدة الغالبة في المقترحات السياسة الفرنسية المتعلّقة بمستعمراتها السابقة -ومنها الجزائر- أنّ أهمّ ما يهمّ فرنسا هو الحفاظ على نفوذها ومصالحها الحيوية، وهذا يفرض عليها معاداة كلّ الجهات التي تريد أن تعامل فرنسا -ذات الميراث الاستعماري الذي لم تتحوّل عنه- بنديّة على الأقل، أما من يريد التحرر من هيمنتها على الوطن وتقليم أظفارها المغروسة في أجسادنا، وخراطيمها التي تمص دمائنا، فلو وجدت تسليط كلّ الأوبئة عليه ما ترددت في ذلك.من هنا فإنّ نسخة المرحلة الانتقالية بالنكهة الفرنسية هو أخطر من تقدّمه فرنسا من نصائح مسمومة للجزائر المستقلة، فكلّ نصائح فرنسا لبناء وطن ففي تجسيدها تخريبه وإشعال نار الفتنة بين مكوّناته.

لهذا، يُنتظر من كلّ جزائري نزيه أن يبادر إلى إعلان رفض حشر فرنسا نفسها في المسألة الجزائرية، والطريق الأسرع لمنع تجسيد مقترحاتها في الواقع أن يسمع الجزائريون لبعضهم بعضا، تجتمع القوى الحراكية على تصور شامل جامع للمرحلة مبناه نفي النفي وإقصاء الإقصاء، والحذر من مرحلة تقوم فيها السلطة بتسليط المعارضة على المعارضة، فيخلو لها الجو فتستنسخ النظام السابق في شكل معدّل، أكبر التحديات في المرحلة الانتقالية، الخروج من الاصطفاف إلى التفكير في مرحلة انتقالية مجدية، مؤدّاها أن يشارك الجميع في وقف مؤسسات إعادة تأسيس الاستبداد سواء كان ناعما أو خشنا، ويتجلى في المساهمة الجماعية في غلق مؤسسات تدوير الفساد، وقدرنا أن نساهم جماعيا في مدافعة الاستبداد وتدوير الفساد، هذا أهمّ ما تتعلّق به همم رجال الجماعة الوطنية الراشدة، التي تجعل التحديات التي تواجه الدولة الجزائرية أهم ما يشغل بالها. 

رأس التحديات دفع المخاطر التي تهدد وجودنا كدولة، ثم كدولة متجانسة شعبيا، ثم كدولة متصالحة مع تاريخها وأصالتها ووفيّة لتضحيات شهدائها ومجاهديها الثابتين على مسالك أسلافهم، أسلافهم الذي كانوا يؤمنون بأنّ الجزائر لا تكون إلاّ من الكلّ بالكل، ولصالح الكل، ولتكن مرحلة انتقالية حقيقية انطلاقة سريعة لاستعادة الدولة وقطع الطريق على المغامرين الذي يريدون تجاوز روح الحراك الشعبي المبارك ووعيه الإستراتيجي.

قراءة 196 مرات آخر تعديل في الأحد, 22 نوفمبر 2020 11:39