الإثنين, 15 مارس 2021 20:05

الغموض المفتعل في أساسيات لا تقبل الجدل مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يعلم من له مسكة عقل من المشتغلين بالسياسة تفكيرا وتدبيرا أن الحراك يريد استعادة ثقافة الدولة لتكون أساسا لنظام سياسي يكون الشعب فيه أصلا تنبثق عنه كلّ المؤسسات، فليست هناك مؤسسات أختا له (الشعب) أو أباه أو أمّه، بل الشعب هو الأب والأم والأصل، وكلّ ما سواه فرع عنه، وبناء على هذا المنطق الشعب هو الكبير، والباقي كلّهم صغار بالنسبة إليه، أي بالنظر إلى الوطن، وما تفرّع عن الشعب وبإرادته من هيئات تفويضية -بصرف النظر عن طبيعتها ومهمّتها- محدّدة المهمات زمانا ومكانا، لا يمكن أن تكون مساوية للأصل (الشعب) ولا أن تكون بديلا عنه، فضلا عن أن تكون أكبر منه، لهذا فكلّ الهيئات التفويضية المنبثقة عن القرار الشعبي الشفاف تعمل لصالحه، ووفق إرادته السيّدة، وهو مصدر معيار العمل له من عدم العمل له، لأنّ هذه الهيئات تستمد قوّتها الأخلاقية والمعنوية من الشعب نفسه، كاستفادتها مواردها المالية والمادية والبشرية من الشعب نفسه.

لهذا من الخلل في التفكير  أن نجعل فرعا (مؤسسة من مؤسسات الدولة) مكافئة للدولة أو مكافئة للشعب، ولو قَبِلْنا هذا المنطق، لأصبح دوام الفرع وسلامته أولى من دوام الأصل وسلامته، وفي ذلك تفكير مقلوب معرفيا ومنهجيا، فما لم يسلم لك الأصل لا يسلم لك الفرع، ومن يريد أن يقوى الفرع بمعزل عن الأصل، سيضعف الفرع من حيث أراد أن يقويّه لأنّ قوة الفرع مستمدة أساسا من قوّة الأصل، وكلّ إضعاف لأصل لصالح الفرع يعود بالضرر على الأصل والفرع معا، مثله كمثل يريد أن يأخذ من أسس (العُمَدِ) بيت لقوِّيَ الجدران، ولو قبلنا تدبير البيت (الوطن) بهذه الطريقة لانهدمت الجدران مهما كانت قوية لانهدام العُمَد، من هنا كانت قوّة المؤسسات في الدولة من قوّة الشعب، ولا يمكن للقوّة الشعبية أن تتحقّق في الوطن إذا كانت مغيّبة، أي في الوضع السنني ينتظر أن تكون الإرادة  الشعبية حاضرة حضورا حقيقيا في القرار السياسي من خلال مؤسسات يرتضيها الشعب نفسه حقا وصدقا بأساليب شفافة واضحة.هل هذه القضية غامضة؟ من جعلها غامضة يحيلنا إلى تحليل أسباب التمسّك بمسلك جعل الواضح غامضا، لماذا يراد جعل مناداة الحراك ّ"دولة مدنية" أمرا غامضا، هل لأنّها حقيقة مسألة غامضة؟

الذي يريد أن يفكّر في المسألة بطريقة منطقية شفافة، رغبة منه في منع "المتاجرة" بهذه الشعارات يتعيّن عليه أن لا يضع نفسه موضع التهمة على الأقل، فلماذا ينادي الجمهور العريض بذلك؟ إنّ مناداة الشعب بأمر غير موجود أو غير موضوعي أصلا يجعل مناداته لغوا مستهجنا وغريبا، أمّا إن كانت هذه الشعارات مقلقلة فلماذا لا نعمل على محو ما كان سببا في استعمالها؟ هذا هو التفكير المنهجي والمنطقي؟

إن من كان ضغطه الشرياني عاليا لا يلوم الطبيب إن شخّص وضعه بإثبات هذه الحالة المرضية، ومحاولة دفع التشخيص بتغليط الطبيب المشخّص لا ينزل درجة الضغط، واتّهام الطبيب لا يحلّ المشكلة، أمّا إهمال استعمال الدواء فهو الخطر القاتل.التقويم العقلي لأوضاعنا يؤكّد أنّ الحراك يؤسس لوحدة شعبية رتّبت الأولويات في الحفاظ على الوعي بحاجة الوطن للجميع، وحاجة الجميع للوطن، وأنّ الاصطفاف الإيديولوجي في اللحظة الفارزة الراهنة حالقة لكلّ النضالات الوطنية الجامعة السلمية، لهذا فالنضال الأكبر اليوم هو الجزائر بكلّ شعبها وبتنوّعها في إطار وحدة وطنية جامعة تجعل من الوفاء لنضالات الأسلاف أنموذجا يحتذى، وقدوة ينسج على مناولهم في التضحيات لصالح الوطن كلّ الوطن، فتكون أمانة شهداء ثورة التحرير نبراسا لوحدة النضال لأجل إنشاء دولة وتنميتها وحراستها.

وكان هذا الوعي العالم سببا في عدم نجاح محاولات تأليب بعض الشعب على البعض الآخر، فكانت أيام "صفر (0) من العرق الفلاني في مراكز القرار" قصيرة، ثم ظهرت فكرة التخويف من فصيل سياسي آخر، فكان مآلها الفشل، ثم العلماني مقابل الإسلامي، أو العكس، ثم ... والحبل على الجرار... إنّ هذه الأساليب مستفادة من برنامج (logiciel) سابق أكل عليه الدهر والشرب ثم نام، ويبدو أنّ كلّ برامج التعامل مع الأزمات مستفادة من أرشيف تسيير الأزمات، منها التركيز الكبير على الهروب إلى الأمام أمام الاستحقاقات التي تفرضها تحديات  التدافع السياسي، والتحديات الكبر ى التي يفرضها منطق الحراك الشعبي السلمي الحضاري، ولعلّ من أهمّ مظاهرها.

- الإهمال الحقيقي لحراك الشارع، والتركيز على كتبة الحواشي على المتن الرسمي، مِنْ مَنْ نشأ وترعرع على تفعيل كلّ مواهبه بتعطيلها عن التفكير في الحلول الممكنة في ظل حراك ثابت على مبادئه الجامعة.

- الاستعانة بمن كان مؤيّدا باستمرار لخطاب السلطة (بصرف النظر عن خلفيتها) وهؤلاء لا يبنون وطنا، والتعويل عليهم لبناء الوطن مراهنة خاسرة.

-  العود مرّة أخرى إلى منطق الحزب الواحد (المنظمات الجماهرية) في تأييد المشاريع السياسية للسلطة، وتقوم "فلسفة" هذا الاختيار على جعل تحقيق المكاسب السياسية والحضارية العامة مخاطرة بالمكاسب الجزئية، وفي ذلك تقديم للفرع على الأصل (كما سبق بيانه)، مبنى هذا البرنامج (logiciel) على عدم المخاطرة بالمكاسب الآنية الجزئية بصرف النظر عن أثرها  الفاسد على الوعي الشعبي بالدولة إنشاءً واستبقاءً وتنمية.

- يفسّر النقطة السابقة النظر في الخارطة السياسية الحزبية في الوطن، فالعناية منصبّة على الأحزاب السابقة التي كانت جزءًا من الحياة السياسية السابقة التي ثار الشعب على منطقها وأدواتها، والأدهى من ذلك أن لا ترى أثرا لأحزاب سياسية ناشئة "معتمدة رسميا".

- إنّ حراكا دام سنتين في سلمية وحضارية ( لم تكسر فيها ممتلكات عمومية ولا خاصة)  لم يستجيب لمطالبه الرئيسية الحقيقية، من هذا المنطلق: لا ننتظر لا استجابة في ظل وضع لا يسمح بوصول صوته عبر وسائل الإعلام الثقيلة التي هي ملك المجموعة الوطنية الذي يعد الحراك الوطني جزءًا أساسيا منها.ما ذكرته نزر يسير من الأساسيات السياسية الواضحة التي لا تقبل الجدل، ومن جعلها غامضة لا بدّ أن يركب العصب تلبيسا على الفكرة، واصطيادا للشخصيات القلقلة أو التي تعوّدت على كتابة الحواشي على متن من غلب.

الأمور واضحة مبناها تحديات جوهرية تفرض رهانات وطنية جامعة، رأسها أن الدولة لا تقوم ولا تدوم إلاّ بالإرادة الشعبية السيّدة التي لا يمكن أن تتجاوز بأي شكل من الأشكال، وليس هناك مؤسسات فوق الشعب أو مساوية له أو مكافئة له هذا هو معنى "دولة مدنية"، ومن أراد حملها على غير هذا المعنى، معناه لا يريد دولة بالمعايير المشار إليها أعلاه، أي كأنّه يريد دولة لا تراعي الإرادة الشعبية السيّدة، و يريد أن تكون بعض مؤسسات الدولة مساوية للدولة أو فوقها أي "أن تلد الأَمَةُ رَبَّتَها"، ولا أظنه يمكن أن يصرّح بمثل ذلك.

فلماذا لا نعمل جميعا على تجسيد الواضحات وتغلق أبواب الجدل في شأنها؟ الجواب عند مثيري الجدل في الواضحات التي لا تقبل الجدل. وجعلها فوق الجدل النظري لا يعفينا من التفكير الجماعي في التفكير العملي أي الإسهام الجماعي العام في التحديات الحقيقية المبنية على الواضحات المشار، فيكون من الرهانات الأساسية لنا جميعا أن نتعلّم الإصغاء وتأسيس التثاقف السياسي الراشد، بدايته انفتاح وسائل الإعلام الرسمية على الحراك الحقيقي لا على الحراك الضرار، والسير قدما بخطى ثابتة لتفعيل الوعي الجماعي بحاجة الوطن للجميع وحاجتنا جميعا للوطن، يستهل بالتوافق العملي على أنّ أهمّ ما نستهل به عملنا التركيز على صيانة الجزائر من الانزلاقات ونفي النفي، والتأكيد على أن إهمال الاستفادة من الحراك بوصفه وعيا وطنيا استراتيجيا يُعَدُّ أوّل الانزلاقات التي نحذّر منها، أمّا محاربته أو استعانة عليه بحراك ضرار، فهو انزلاق مضاعف.

قراءة 118 مرات آخر تعديل في الإثنين, 15 مارس 2021 21:12