الجمعة, 03 سبتمبر 2021 18:47

"طالبان"...وظلم ذوي القربى مميز

كتب بواسطة : د.مصطفى بن حموش / أستاذ جامعي

لا تزال ارتدادات الحدث التاريخي (الانسحاب الأمريكي من أفغانستان) تتحول إلى موجات من الحذر والتساؤل والذهول العالمي. فإذا كان مهندس الحدث، رئيس أمريكا الحالي لا يزال يعاني من الارتباك في الآراء و الأخبار كما يؤكده في تصريحاته قبل و بعد الحدث، فقد أعلن خصمه ترامب بأن التاريخ سيحتفظ بهذا الحدث كأكبر انتكاسة تاريخية للقوات الأمريكية.

ظهور طالبان بعد عشرين سنة من الغياب فاجأ كثيرين، وذلك لأن الرأي العام قد وضعها ضمن الجماعات "الإرهابية" شبه المندثرة، والتي نجحت الآلة الغربية في استئصالها. ويغفل بذلك عن أقرب متابعة لهذه الحركة آخرها جلسات المفاوضات المكثفة التسع التي تمنى ترامب أن يكافأ بها بإنقاذ أمريكا من وحل الحرب، ويستعملها ورقة في استحقاقات العهدة الثانية من الانتخابات.

من يطَلع على تاريخ طالبان وهويتها الجماعية يجد أنها حركة نابعة من رحم المجتمعين الأفغاني والباكستاني السنيين، ورثت النظام التعليمي الكتاتيبي. فلم تكن في يوم حركة مخترقة لهذين المجتمعين، بل ارتبطت بالتعليم الأساسي الذي يتلقاه الأطفال والشبان في ظل المنظومة التعليمية التقليدية، وهي إحدى الأعراف التي يقوم عليها المجتمع في هذه البلدان. الظروف الجغرافية السياسية أجبرتها للدخول في المعترك السياسي، ثم البقاء في المقاومة الصامتة عشرين سنة دون صخب إعلامي، مما يعكس سذاجتها الإعلامية وافتقارها للصخب الذي تعتمده كل الكيانات السياسية. لقد انقرض الجيل الأول من قيادتها ولم يسمع العالم عن إعادة ترميمها وبناء قيادتها لتكون على حالها الآن.

لم تكن طالبان، إذن، في سبات ولا خلايا نائمة، وإنما اعتمدت على طريقة الكر والفر في مواجهة الوحش الأمريكي والحرب الاستنزافية. ولم تكن المراكز الإستراتيجية الغربية غافلة عن هذا الواقع الميداني والإستراتيجية العفوية الذي اختارتهما طالبان، وإنما هو التعتيم الإعلامي وسياسة الحرب المنسية، وكان القصد منهما إفساح المجال المطلق لأمريكا لتقوم بما تعتقده صحيحا دون تشويش من الإعلام الغربي والمؤسسات الحقوقية والخوف من "ساندروم" فيتنام والعراق.

تتحدث الأخبار أن أمريكا كانت تدفع 300 مليون دولار يوميا لمدة عشرين سنة أي منذ 2001، ولم تكن هذه المبالغ تصرف في السلاح فقط، وإنما في المشروع الشامل لبناء دولة "حديثة" وفق المعايير الأمريكية، حيث استثمرت تلك الأموال في الجامعات والمؤسسات الحكومية والاجتماعية وصناعة النخبة الموالية. لقد أعطى التاريخ لأمريكا الفرصة الكاملة لتشكيل وهندسة أفغانستان وفق رؤيتها التطويرية وتحرير شعبها المتخلف من "سطوة الدين والتحجر العقلي". يكاد يكون من المسلمات المقبولة في المدارس "الما-بعد حداثية" أن عودة الظاهرة الدينية ما هي إلا تعبير عن أثر المعتقدات في حياة الشعوب.ذ

لا يحتاج أي إنسان أن يدخل إلى الجامعة ليدرك تداخل الخريطة العالمية لتوزيع المفاهيم الدينية مع الخريطة السياسية. فالكل يعلم أن القيم البوذية في اليابان والبروتستانتية في أوروبا واليهودية في إسرائيل لا تزال هي الطبقة الأركيولوجية للحراك السياسي والثقافي ومنبع القوة الناعمة في هذه البلدان. أما في بلاد الإسلام، فإن امتداد الدين الإسلامي في مجالات الحياة من اقتصاد وسياسة وتنظيم اجتماعي وتأطير ثقافي، وحرب وسلم، يوفر الجهد لكل من ي تحليلا مجردا من الاختزالات والاعتبارات الطقوسية والغيبية التي تحيا بها العديد من الأديان الأخرى.

الدخول في المفاوضات المُكثفة مع أمريكا، رائدة الفكر الإستراتيجي المعاصر بفضل مؤسساتها الرائدة لا يسعه إلا الاعتراف بالقدرة التفاوضية لطالبان بعيدا عن التحجر العقلي، واجترار المسلمات التاريخية المقيدة، والصورة النمطية التي تروجها وسائل الإعلام.

"براجماتية" طالبان أصبحت تتفوق على "برامجماتية" أمريكا في البساطة والوضوح. قيادة طالبان تعتقد وتصرح بما تؤمن به أن الدين يصلح أساسا لبناء الدولة وبسط نفوذ السلطة وإدارة المجتمع، وأن الشريعة هي ذلك الإطار السياسي والإداري بل والعلاقات الدولية. المقاومة الناعمة لطالبان التي انطلقت من ألواح الكتاتيب القرآنية والتجمعات الشبانية بعيدا عن أي سند "لوجيستيكي" ومادي، تجعلنا نقف أمام مواجهة بين عقلين متضادين وغير متكافئين: أحدهما يتشبث بالتراث والعقيدة المجردة، والآخر بالعقل الحديث والمدعوم بآخر منتجات التكنولوجيا. فما سر صمود تلك العقول الصغيرة أمام الترسانة الفكرية والمعرفية لأمريكا التي تحتل جامعاتها الصدارة في شتى العلوم.

وحسم الجولة الأولي من هذه المواجهة الفكرية ميدانيا رغم ما فيها من مفاجأة، لا يعني صفاء الجو لطالبان. فأمام هذا العقل المشبع بالتراث والمرجعية الدينية متتالية من التحديات الداخلية والخارجية التي ستضع منهجها على المحك، فالمجتمع الأفغاني هو أول من سيطالبها بضمان متطلبات الحياة المدنية وبناء الدولة بكل براغماتية بعيدا عن عقلية الكتاتيب. أما خارجها، فإن المجتمع الدولي سيضعها أمام خيارات عسيرة لكسب الأصدقاء أولا ثم الدخول كحجرة شطرنج بين القوى العظمى المحيطة بها. من الرجاحة العقلية إذن، ألا يستعجل أيَ محلل لمجريات الأمور والحكم المسبق إذا لم تأخذ طالبان حقها من هذا الاجتهاد والحق في الخطأ خلال خوض تجربة الحكم الذي انتزعته من أمريكا عن جدارة. فمن مسلمات العقل الحر إفساح المجال لكل من يفكر عن بديل للأنموذج "الفوكويامي" الديمقراطي الليبرالي الذي يسعى الفكر الغربي إملاءه على المجتمع البشري و للقولبة المستمرة للدول.

إن كان لطالبان سبب للوجود فإنه التأكيد أن التفسير الكلاسيكي للظاهرة الدينية على أنها اغتيال للعقل، ما عاد مقُنعا، فالحاجة إلى الدين في الحضارة المعاصرة كما تراه المجموعات الدينية لم يعد يقتصر على الحاجة الفردية والجماعية لإحداث التوازن بين القيم الروحية والنزعة المادية التي نعيش على وقعها، بل يتعداه إلى ضرورة التناغم مع نواميس الحياة وبناء المجتمع البشري. لقد استنفد النموذج الغربي المتنور وقته لما يقرب من قرن (ابتداء من الحرب العالمية الثانية) في التجريب، ففرصة الاجتهاد وهندسة العالم والمجتمعات البشرية والدول للوصول إلى البديل الأفضل بريادة العقل المجرد اكتنفته كثير من التعثرات. فهل سيكون للعالم الفرصة الأخرى لتجريب تناغم العقل والدين؟

قراءة 64 مرات آخر تعديل في الجمعة, 03 سبتمبر 2021 18:59