الأحد, 14 نوفمبر 2021 04:54

النخبة والاستشراف مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

يرتبط مصطلح النخبة في التفكير السياسي والاجتماعي المستقبلي بالتأثير، لهذا إذا أطلق هذا المصطلح (النخبة) في التداول الاجتماعي العام انصرف ضرورة إلى التأثير، ويفسّره أنّ النخبة في الاستعمال الغربي العام تتداول بمعنى أقوى المجموعات البشرية المؤثّرة في المجتمع، وهذا ما يمنحها مكانة متميّزة ، فيكون المنتسب إليها حقا وصدقا من ضمن الشخصيات المعتبرة في المجتمع الذي تعبّر هذه النخبة عن آلامه وآماله، إذن مربط الفرس في هذا السياق أنّ النخبة تمتاز بالتأثير.

ويرى فريق آخر من المحللين أنّ النخبة هي المالكة للقوة والتأثير، بحيث تتيح لها هذه الميزات المشاركة في صياغة تاريخ جماعة معيّنة عبر وسائل موضوعية (اتّخاذ القرار، اقتراح أفكار، وضع برامج، القدرة على التأثير على سير الأحداث،...)، وهذا اختيار يحصر دور النخبة في مهمّة التحكّم في مخرجات العملية التغييرية لأجل مكاسب تعود على النخبة نفسها بالمقام الأوّل، فلا تفكر هذه النخبة بشكل جدّيَ في حاضر المجتمع ومستقبله، لهذا فإنّ هذه المجموعة البشرية وإنْ عُدَّت في المصطلح المتداول (القوّة والتأثير) في النخبة فإنّها ليست من موضوعنا، إذ العبرة في النخبة بالانخراط في التعبير عن آمال المجتمع وآلامه، من هنا فإنّ النخبة ليست رتبة طبقية بل هي وظيفة اجتماعية، وهو ما نحن لسنا بصدده.

ننطلق من فكرة أن النخبة وظيفة اجتماعية ذات رسالة منبثقة من المجتمع المتحرّك في فضاء خدمته، لهذا فإنّ النخبة تقول بحالها قبل مقالها: نحن بصدد التفكير الجدّي في النفع الوطن مع غيرنا من الغيورين على الوطن، أي لا تمييز بين مكوّنات النخبة الوطنية، بصرف النظر عن مكان مرابطتها الوطنية (السياسة، والاقتصاد، والتربية، والأمن، والفكر، والحضارة، والرياضة، والفن، و...)، نخبة يجمعها الرابط الوطني بما يحمله من ميراث قيمي والتزام أخلاقي، ووفاء برسالة الشهداء، النخبة الوطنية يجمعها حبّ الوطن والوفاء له والعمل على استقراره وتنميته، ومنع المخاطر المحدقة من التمكّن منه، ومنع المخاطر المتوقّعة من أنْ تصل إليه أو تؤثّر في حاضره أو مستقبله. النخبة هي الرائدة(والرائد لا يخون مجتمعه) ومهمّة الرائد استشراف المستقبل بحسن التفكير في الحاضر باستيعاب إحداثياته الزمانية والمكانية، وجعل فهم الحاضر والتحرّك الإيجابي فيه قاعدة للانطلاق نحو المستقبل.

النخبة الوطنية تملك من النباهة المعرفية والمنهجية فضلا عن الاستعداد الفطري لأجل القيام بمهمّة الحفاظ على القرار الوطني مستقلا سواء كان قرارا للسلطة وتوابعها أو المعارضة ومن والاها، لأنّ تضييع استشراف أفق الحفاظ على الوطن أي الدولة باستقرار المجتمع سَيُعَرِّض المكاسب الدولتية العامة للخطر الذي لن يسلم من تأثيره المدمّر الذي هو في السلطة ولا الذي هو خارجها سواء أكان مواليا أو معارضا.

بناء على ما سلف، فإنّ أهمّ ما تركّز عليه كل مَنْ يُعَدُّ مجتمعيا مِنْ النخبة الوطنية هو السهر على سلامة الدولة ومن ثمّ الوطن باستقلال قرارها الداخلي سواء تعلّق الأمر بالاقتصاد أو التدافع السياسي الداخلي أو تأطير التوتّرات السياسية والاجتماعية الداخلية، أو التنازع الجهوي. التوترات الوطنية (المحلية) لا يحلّها بشكل سلسل إلاّ النخبة الوطنية (في كلّ قلاع التفكير الاستراتيجي)، التي ينبغي أن تجتمع كلمتهم عل رفض الاستقواء بالخارج على حساب فصيل وطني متنازع معه (بصرف النظر عن الجهة المُسْتَقْوِية، والجهة المُسْتَقْوَى عليها)، ويتعيّن أن لا تكون وظيفة هذه النخبة التحكّم في الرأي العام بل تنويره لينخرط في مسار التنمية الشاملة، التي رأسها أن نجعله يثق بقدراته، ثم يثق بنخبته التي لا تريد إلاّ خدمته، لا أنّ تتموقع منه بحسب ما يعود عليها(النخبة) من فوائد لا بحسب ما يعود على الشعب من دفع مفاسد واستجلاب مصالح.

النخبة الفاقدة لصدق النسب إلى الوطن، وغير المالكة للمستوى المعرفي المؤهّل للقيام بهذه الوظيفة لا يمكن أن تحقق للمجتمع هذه الخدمة (الاستشراف) وخاصة إذا اجتمع إليها منطق الرغيف والوظيف، الذي يُفْقِدُ النُخبة صفتها وقبل ذلك عقلها، ويجعلها طبقة اجتماعية تحسن الانقضاض على المغانم، فيعد عندهم الوطن غنيمة يختطفون خيراته، ونخبة هذا شأنها مستبعدة التأثير الإيجابي الفعّال لا في الحاضر ولا في المستقبل، فهي لها ارتباط بمنافعها ومنافعها فقط، فحصرت كلّ جهدها في منفعتها الشخصية أو الشللية؛ إذ عليها مدار أقوالها وأفعالها، وتصوّراتها وتصرّفاتها، ولا شيء غير منافعها، ومن كان هذا شأنه يمكن أنْ يُعَدَّ من عُبّاد ذاته وبقدر تعلّقه بذاته ينسلخ من إنسانياته ويفقد شرف الانتماء إلى قيمه ووطنه.

النخبة كما ذكرنا أعلاه رائدة، والرائد مستشرف للمستقبل، والناظر في المستقبل لا تأسره عواطف الجماهير ولا تمنعه من التفكير في الحاضر بمحاكمته للضوابط المهيمنة على العقل الجمعي، فكثيرا ما تكون الجماهير المساقة بعواطفها مانعة من التفكير الجيّد فضلا عن التدبير الجيّد، لهذا ننتظر التفكير في عواقب الكلام غير المضبوط والتصرّفات غير الموزونة، هذه قوى صديقة للنخبة -وهي عمقها الحقيقي- تؤثّر سلبا في تفكير النخبة نفسها، فتجعلها مهملة للفهم الموضوعي للحاضر، بينما كان الأصل أن تكون النخبة فاحصة وممحّصة لفهم قاعدتها الشعبية ومراجعتها لها باستمرار لا أن تكون خاضعة لها، أو كاتبة لحاشية على متنها، لهذا فالمهمّة هنا شاقة وعسيرة في ظل مجتمع تسوقه العواطف، لأنّ النخبة المستسلمة لعواطف عموم جماهيرها وأطّرت سيرها ستجد نفسها بسواعد كثيرة وعقول قليلة بل نادرة، بينما الشروط الموضوعية لفعالية السواعد هي أن تسبقها حركة الأفكار، والتي لا تديرها موضوعيا وباقتدار إلاّ نخبة وطنية صادقة.

ولا يقلّ عن الخوف من سطوة الجماهير؛ رهاب الآخر الذي تراه بعض النخبة عالما بالسرّ وأخفى ـ فيمنعها هذا التصوّر من التفكير -ولو عبر مراحل- في تحقيق المشروع الوطني المتكامل عبر مراحل تاريخية مدروسة، (التحقيب في عالم الأفكار، والأعمال الوطنية النافعة، وتعدّد قلاع المرابطة وتنويعها)، لهذا فإنّ تفعيل الاهتمام بالنخبة كلّ النخبة الوطنية -بصرف النظر عن قلعة مرابطتها- مطلب مستعجل وضروري، يستشرف أفق الحفاظ على وطنيتها همًّا واهتماما ومهمّة، الحذر من أسر الأجنبي للقرار الوطني والدولة بالسماح باختطاف قرارها السيّد في المجال السياسي والأمني والاقتصادي والثقافي، و... والتنبيه إلى خطورة النظر الظرفي للمخاطر المحدقة بالوطن، فلا خير من الاندفاع المرتجل ضد أجنبي بالارتماء في أحضان أجنبي آخر، لأنّ القاعدة السياسية الذهبية في ظل الظروف السياسية العادية وهي في جو التوترات المحلية والجهوية والدولية، أدْعى للإعمال لا الإهمال، مفاد هذه القاعدة: "لا يدفع الأجنبي كلُّ أجنبي إلا بقاعدة حكم واسعة تجمع الجزائريين كما هم بألوانهم الفكرية ورصيدهم النضالي الجماعي".

إذن النخبة الوطنية مدعوة إلى الانتباه إلى أهمية الجماعة الوطنية في دفع الخطر الأجنبي، إذ لا خير في الأجنبي، وخاصة إنْ كان طرفا في نزاع محلي أو جهوي، لأنّه سيعمل على تحقيق مصلحته على حساب استقرار الوطن ودول الجوار. النخبة إذن وظيفة شريفة وليست طبقة اجتماعية مستكبرة ومتكبّرة تستغل المجتمع لتحقيق مشتهياتها، وتنتظر أن يخدمها مجتمع، بل هي الساهرة على خدمته بفكرها وتدبيرها، نخبة توجّه الجماهير وتواجهها بالحقيقة إن اقتضى الحال، وتوجّه السلطة لمراشد الأمور، وتواجه ما تراه خروجا عن الجادة في إطار الوحدة الوطنية والامتناع عن الاستقواء بالأجنبي ضد الوطني، لهذا لا تعطّل النخبة مواهبها الإرشادية والتحليلية والنقدية مشاعر العامة، ولا سطوة الخاصة.

قراءة 173 مرات آخر تعديل في الأحد, 14 نوفمبر 2021 05:50