السبت, 15 جانفي 2022 11:05

الشعب ومعركة الوعي مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

من أهمّ تجليات معركة الوعي على المستوى الشعبي أن المتابع للتشخيص الموضوعي لحالة عموم الشعب يلاحظ -وبما لا يدع مجالا للشك- أنّ الغالبية الغالبة مستقيلة عن الاهتمام بالشأن السياسي والتغيير الاجتماعي. وهو بهذا الاختيار على وعي تام، إذ جزء من الوعي أن لا ينخرط في مشهد سياسي لا يرى له فيه رأي أو يد.

لا شكّ أنّ ممارسة الوعي بهذه الطريقة هو موقف سلبي، إذْ الأصلح أن يكون الشعب حاضرا في الفعل السياسي لا غائبا، وهو من القضايا التي تقضُّ مضاجع الوطنيين المخلصين، الذين يعلمون درجة حبّ الجزائريين لوطنهم، وتعلّقهم بخدمته. ذلك أنّهم متيقنون أنّ شعور عموم الشعب بالخطر المحدق بالوطن، واستشعارهم هذا الخطر، واستعدادهم لتقديم التضحيات الجسام لأجل نهضته. مما لا يختلف فيه متابعان لحالة شعبنا.

كان طموح الشعب كبيرا في أن نتحوّل إلى دولة قائمة على الكلّ السياسي عوض الكلّ الأمني القائم على التخويف والرعب، إذ من نتائجه عدم ثقة عموم الشعب في السلطة ومشاريعها. فضلا عن تكوين طبقة سياسية في الغالب مصطنعة وليست حقيقية. وهذا معناه الطمع في إحداث وثبة سياسية بأدوات غير صالحة للاستعمال السياسي أصلا، لأنّ الثاني لا ينتج إلاّ مسالك النفاق السياسي، وستكون وستبقى مصدرا للتخلّف السياسي، وثمرته علقما من الناحية الاجتماعية والتربوية والفكرية والاقتصادية... لأنّه تعويل على استعادة الشعب للسياسية باستبعاد الشفافية السياسة، وهذا لعمري من المحالات عند كلّ عاقل.

إنّ استعادة الشعب لفضيلة الممارسة السياسية الحقيقية بإفراغ شحنة الشعور بالخوف على الوطن في الفعل السياسي الحقيقي (وليس المصطنع) يسعف الوطن باستعادة الفرد ثم الجماعة إلى الممارسة السياسية التي تمثّل أساس تجاوز الاستبداد وتفكيك الفساد، ومنع إعادة تشكيله مرّة أخرى. استعادة الشعب للسياسة ممارسة وصناعة ووسيلة للتدافع السلمي لأجل وطن حرّ ومستقر ونامي، هو أنفذ وسيلة لكسر الصور النمطية التي سوّقت عن الجزائري (عنيف، ولا يقبل الرأي الآخر، وإقصائي، وفوضوي...)، وهو أحسن استثمار في الطاقات الوطنية والكفاءات المحلية لأجل تقرير المصير السياسي للوطن.

تبذل الشعوب المتحضّرة الأموال والأوقات الطويلة لأجل جعل الفرد والجماعة الوطنية مسكونة بالخوف على الوطن من الانقسام والاندثار والتوتّرات السياسية والاجتماعية والعرقية، وتأخذ لأجل تحقيق هذه المقاصد وتنميتها الوسائل التي هي مظنة الوصول إليها، فترصد لها الأموال الطائلة ويحمل مشروعها منظّرون ويترجمه عاملون له في ميادين صناعة الوعي الجمعي، والجزائر ولله الحمد حقّقت هذا المسعى بوعي شعبي عارم عبّر عنه الحراك في وحدته ووعيه بالخوف على الوطن، وسعيه السلمي لأجل تجسيد الإرادة الجمعية في تأسيس دولة المؤسسات حقا وصدقا، دولة لا تخضع للأمزجة وتدافعات العُصَب لأجل نفوذ وقتي أو مصالح شللية، بل رام الشعب بوعيه تطهير الجو من الطفيليات السياسية، وذلك بإفساح المجال أمام قوى سياسية ناشئة وأخرى تجدّدت بفعل ضغط الوعي العارم، يسترد الشعب بموجبه الاهتمام بالمشهد السياسي، والمستقبل السياسي للوطن.

الشعب بهذا الوعي حدّد معركة الأولويات والمتمثّلة في تفكيك الاستبداد، وتعطيل مؤسسات تفريخ الفساد، والوعي بأنّ الدولة الحقيقية هي التي يصنعها الشعب بكلّ أطيافه ولكلّ أطيافه، بالشعب ولكل الشعب. انتبه الشعب بوعيه وفي وقت مبكّر إلى ضرورة البعْدُ عن مسلك الاستقواء بالسلطة أو بعض مكوّناتها ضد فصيل سياسي مخالف، أو المخالف الفكري أو السياسي. وقد انتهى به الوعي إلى أنّ المراهنة الحقيقية على النزهاء من كلّ الألوان السياسية والفكرية ومن كلّ قلاع المرابطة ضد الاستبداد، وهي المدخل الرئيس لحل الأزمة وتدبير الاختلاف.

يُعَدُّ التعويل على النزهاء إقرارا بأنّ كلّ الشعب عامل أساسي في التغيير الاجتماعي والسياسي، وأنّ المستقبل ما نصنعه جميعا لا ما نتمناه، حاضرنا نتيجة لزراعة ماضينا، ومستقبلنا صناعة ما نزرعه في حاضرنا، والذي يستشرف مستقبلا أرغد يتعيّن أن يسهم مع غيره من الغيورين في النظر الجماعي والتدبير المشترك لأجل صيانة قلعة الوعي العام وتنميتها. ويتم ذلك بمراعاة عناصر التلاحم الواقعي في مواجهة الاستبداد وخَدَمه، بدايتنا الجماعية إقصاء الإقصاء، وإقصاء الاستبداد، وإقرار جماعي مُعْلَن أنّ التغيير مستغرق في الوقت، بلا تهويل ولا تهوين، وهو ما يفرض دراسة موضوعية لإحداثيات الواقع السياسية والفكري، قيمته المركزية مراهنة واقعية على حسم معركة وعي الشعب بالعشب وللشعب كلّ الشعب.

قراءة 92 مرات آخر تعديل في السبت, 15 جانفي 2022 11:11