الأربعاء, 02 فيفري 2022 10:02

مقاصد الاستبداد ومدافعته مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

ليس الاستبداد فعلا ارتجاليا ولا عملا معزولا عن رؤية وخلفية نظرية تستبطن الموقف من الشعوب المستبد بها، ولهذا يظهر لكلّ صاحب بصيرة أنّ المستبد لا يؤمن أصلا بحق الشعوب في بناء الدولة التي يتصوّرون، ولا يؤمن أصلا بأنّ لهذه الشعوب إرادة، وينتهي به الأمر إلى النفي عن هذه الشعوب القدرة على بناء دولة تعبّر عن آمالهم وتحوّل حاضرهم إلى أفراح تتجاوز أتراحهم.

الاستبداد الذي يمثّله الاستكبار العالمي يؤمن بحقّ شعوبهم في بناء الدولة التي يريدون (بالرغم من أنّ الديمقراطية وفق أجلى صوّرها أنموذج مستحيل التحقق، لخضوع الشعوب للتلاعب بإراداتهم السيّدة، ووقوعها تحت طائلة التدفّقات العالية لمخادعات الإعلامية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، و...)، وبالرغم من استحالة التحقّق الواقعي للديمقراطية فإنّها أحسن حالا من الاستبداد، لهذا اختارها الغربيون لأنفسهم، وتواطؤوا على منع الشرقيين بصفة عامة والبلاد العربية على الخصوص من التمتّع الوقتي بأجواء الحرية، لهذا يناصرون المستبد، بل ويعملون المستحيل لأجل منع الشعوب العربية من شمّ ريح الحرية والديمقراطية، لتيقّنهم أن الحرية تؤسس للاستقلال، والاستقلال يضع مؤسساته التي تحافظ عليه في كل مجالات الحياة، ينتهي مشروع الاستقلال في أبهى صوره إلى استقلال علمي واستقلال في تطبيقاته (التكنلوجيا) ثم استقلال في القرار الوطني السيّد..

وهذا عين الخطر الذي يخافه الغرب، لأنّه ينتهي إلى غلق البلاد الشرقية (بوصفها سوقا واعدة باستمرار) أمام السلع الغربية، ومعناه اختلال الميزان التجاري لصالح البلاد المصرّة على استقلالها، وتوقّف الاستيراد من الغرب (الديمقراطي لنفسه، والمستبد بغيره) مؤداها خلق مشكلة اقتصادية في بلاد الغرب الذي يسعى جاهدا للحفاظ علينا كأسواق، ونتيجة هذا المشكل توتّرات اجتماعية لا يمكن دفعها بغير الحفاظ على بلداننا بوصفها أسواقا واعدة باستمرار، ولا يمكنها أن تكون كذلك بغير نظام سياسي يمنع التأسيس للاستقلال الحقيقي المثمر للاستقلال في كلّ مجالات الحياة.

معركة الاستقلال ليست بسيطة بل معقّدة، والاستبداد المحلّي يخطئ من الناحية المعرفية والمنهجية، عندما يجعل المشكلة مع الشعوب، فموقفه نتيجة سوء تقدير موضوعي للظروف، إذ المعلوم من السياسة بالضرورة أنّ اتّساع قاعدة الحكم أقلّ مخاطر من تضييقها، والتضييق على الحريات ومنع الفضاء السياسي من التشكّل وفق الإرادة الجمعية مخاطرة بحاضر الوطن ومستقبله، ذلك أنّ الاستبداد الغربي يحتقر من اختار الميل إلى هذا الاختيار الاستبدادي لأنّه احتقار للشعوب ومنعهم من الوصول لتجسيد إرادتهم السيّدة، نعم أضمن طريق بالنسبة للغرب لتحقيق مصالحه هو منع الشعوب من تحقيق مشروع سياسي بمخرجاته الاجتماعية والاقتصادية يتوافق مع إرادتها الجامعة، ولهذا فالغرب يداهن المستبد الغالب الوقتي في البيئة الشرقية، ولكنّه (الغرب) في الوقت نفسه يقيم أنفاقا (نفق، منافق) مع كلّ القوى المحتملة الغلبة في الأيام القادمة، إلاّ أنّه أكثر إصرار في مناصرة من يحقّق أكبر قدر من المكاسب الاقتصادية ويضمن تغليبا للميزان التجاري الغربي على حساب البلاد الشرقية.

يراهن الغرب السياسي المستبد على تشجيع الاستقالة السياسية الجماعية أو تكوين قوى سياسية عديمة السند الشعبي، أو قوى سياسية تختص في تسويق صور نمطية حسنة للغرب في البلاد الشرقية، وتشجيع الأنظمة السياسية في البلاد الشرقية على ديمقراطية الواجهة، أي تعدد ينتهي إلى رأي واحد لأنّ مخرج المشهد السياسي واحد.

ومراهنة الغالب المحلي بطريق استبداد على الغرب منعا للشعوب من تحقيق ممارسة سياسية حرّة وشفافة، مراهنة خاطئة لأنّها تقديم لمصالح فردية على حسبا مصالح مجتمع، مثله كمثل من يقدّم الفرع على الأصل، فلا الأصل أبقى وإذا ذهب الأصل انتهى الفرع، ذهاب ريح الوطن معناه لا أمل في مكاسب مهما كانت صغيرة، الاستبداد نهاية وطن لصالح بعض المواطنين، وإذا انتهى الوطن انتهت النسبة إليه، فيصبح الكاسب فيها على حساب الوطن بلا وطن، لأنّ الوطني الصميم والساهر على وحدته وحرية أفراده ومجموعاته، لا وطن بغير مواطنين، كما أنّه لا جمهورية بغير جمهور، يمثّل قاعدة الحكم ومنشئه حاميه ومنمّيه، والذي تصوّر حاجة للمواطن فهو يتصور حاجة للوطن.

وقبول المستبد المحلي لإملاءات الاستبداد الغربي (العابر للقارات) يعود كما مرّ معنا مجملا إلى عدّة احتمالات:

- عدم إيمان الغالب الوقتي المحلي بالديمقراطية كآلية لتأطير الاختلافات أو الصراعات في البلاد الشرقية.

- فقد المستبد القدرة على تأطير مشهد سياسي غير مضمون المخرجات السياسية بالنسبة إليه لا بالنظر إلى الشعوب.

- لا يملك المستبد ضمان مخرجات إرادة الشعوب، لهذا يمنعها (بألف حيلة وحيلة) من الوصول إلى تحقيق إرادتها الجماعية.

- مقاصد الحرية في تدافع مستمر مع مقاصد الاستبداد، لهذا فهما مشروعان في تدافع مستمر.

من هنا، كان وسيبقى مشروع المدافعة مستغرقا في الزمن يتلطّف دائما حفاظا على مكاسب الوعي والتفكير الجدي في تنميتها، لأنّ منطق الاستبداد قائم على "ما أريكم إلا ما أرى"، ومنطق المدافعة مؤسس على: نتعاون لأجل بناء وطن والحفاظ عليه وتنميته، منطق الاستبداد إما أن تمر وإما أو تنكسر أو حتى تدمّر، منطق دفعه قائم على نظر آخر مباين، يعتبر  كلّ خسارة للطاقات المعنوية أو المادية حتى في صفوف المناوئين لمشروعه خسارة وطنية يتعيّن تلافيها، مدافعة الاستبداد قائمة على مشروع الجمع مقابل مشاريع التفريق، وقائمة أيضا على الوحدة عوض التشتيت، والتنمية عوض التخلّف، لأنّ الاستبداد أب وأم وجدّ و...كل الخبائث السياسية، فهو مصنع النفاق السياسي، وسوق رائجة للرداءة السياسية، ومانع من النهضة بكلّ تجلياتها وأبعادها. من هنا فالاستبداد أفقه التخلّف، ومقصده الرئيس منع التحوّل السنني لقوى التغيير السلمي، يقابله مشروع الوعي والتنمية والسلمية والوحدة.

قراءة 406 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 02 فيفري 2022 10:30