الإثنين, 14 أكتوير 2019 18:23

"الخبراء" و"الغوغاء"! مميز

كتب بواسطة :

بقلم نجيب بلحيمر / كاتب وصحفي

الذين يستكثرون على الجزائريين حق اتخاذ موقف من قانون المحروقات الذي تريد أن تفرضه حكومة غير شرعية، بحجة أن الموضوع تقني ومن اختصاص الخبراء، لا يقولون لنا إن هناك خبراء برروا كل خيارات بوتفليقة والسياسات الاقتصادية لحكوماته المتعاقبة على مدار عقدين.

عندما أراد جورج بوش الابن أن يرفع القيود المفروضة على النظام المالي الأمريكي، وأن يدفع بتحريره إلى أبعد مدى (وهي العملية التي كان قد بدأها سلفه رونالد ريغان منذ سنة 1980)، استعانت إدارته بأساتذة من مدارس الاقتصاد في الجامعات الأمريكية المرموقة لتقديم دراسات تفضي إلى تقديم توصيات باللجوء إلى هذه الخيارات، وقد لعبت دراسات وتوصيات هؤلاء الخبراء دورا أساسيا في تمرير التشريعات الجديدة في الكونغرس، وكان الأمر كله متعلقا بالمال الذي دفعته المؤسسات المصرفية الكبرى لهؤلاء الخبراء، وكانت هي المستفيد الأول من هذه الخيارات "المبررة" علميا, وبعد انفجار أزمة الرهن العقاري في سنة 2007 تبين أن تلك الخيارات كانت سببا في ذلك الخراب الذي طال الاقتصاد الأمريكي والعالمي.

في الجزائر أيضا، لدينا كثير من حملة الشهادات العليا والخبراء الذين اختاروا تبرير السياسات الاقتصادية للسلطة، وإلباسها لبوس العلم، وليس خافيا أن المعارضين أيضا كانوا يستنجدون بخبراء من الجهة المقابلة لإثبات عدم عقلانية خيارات الحكومة ومخاطرها، ولا يحسم هذا الجدل إلا الزمن الذي يكشف نتائج اعتماد سياسات معينة، وفي حالتنا لا يحتاج الخراب إلى دليل.

إذا كان الباحثون والخبراء في أمريكا قد تعقبوا آثار الأزمة حتى وصلوا إلى جذورها، فإنهم فعلوا ذلك لأن لديهم نظاما مفتوحا, وإعلاما حرا, وجامعات حقيقية، كما إن السعي إلى تحقيق أداء اقتصادي جيد يبقى هاجسا يؤرق كل رئيس أمريكي، أما عندنا فلا شيء من هذا، لأن تولي المنصب لا يخضع لإرادة الناخبين, ولا رأي للجمهور في السياسات الاقتصادية، لأن السلطة، والنخب الدائرة في فلكها، ترى هذا الجمهور مجرد غوغاء.

في يوم 13 أكتوبر خرج هؤلاء الذين يوصفون بأنهم "غوغاء" ليقولوا إن الحكومة القائمة غير شرعية، وأنهم لا يثقون في النظام الذي دمر البلاد ووضعها على حافة الإفلاس، وأنهم لهذه الأسباب يرفضون تمرير قانون المحروقات، وقد اختاروا أن يعبروا عن رفضهم في أكثر من مدينة, في حين جلس الأذكياء إلى حواسيبهم وهواتفهم ليسفهوا المتظاهرين، وليعلنوا مرة أخرى أنهم ينتمون إلى عصر آخر أعلنت نهايته يوم 22 فيفري 2019.

قراءة 162 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 16 أكتوير 2019 08:24