الخميس, 17 أكتوير 2019 18:18

من حكم التغلب إلى الوثنية السياسية...مدنية لا عسكرية

كتب بواسطة :

السلطة السياسية التي أقامها النبي، صلى الله عليه وسلم، أول الأمر في المدينة استمدت شرعيتها من مجتمع المدينة وليس من النص، فلم تكن وحيا إلهيا وترك أمرها لتدبير مجتمع المدينة وحكمتهم وخبرتهم ، وهو ما ظهر في نضجها وتطورها التدريجي، فكانت سلطة مدنية لا دينبة ولا كسروية ولا هرقلية ولا متغلبة ولا قهرية ولا أقامها الجند، فكانت سلطة مدنية تعبر عن حاجات عموم الناس وهمومهم وتطلعاتهم.واختار الصحابة الصديق حاكما في أول اجتماعي سياسي معلن حر بعد وفاة النبي في سقيفة بني ساعدة، لم يجمعهم نص وإنما الحاجة لاستمرار الدولة والقيام على شؤون الناس، وكان أرقى تدبير سياسي في إدارة مشكلة الاستخلاف، وكان الاختيار الحر هو سيد الموقف بلا إكراه ولا غصب ولا توريث.

وحتى النفقة اليومية أو الراتب حدده المسلمون لأبي بكر الصديق ولم يحدده لنفسه بعد نفاد مال تجارته الذي أنفقه على عياله عندما تولى الحكم.هذا الاختيار الحر كان اللبنة الأساسية التي بُنيت عليها الحضارة الإسلامية، وحتى ولاية العهد كانت اقتراحا من أبي بكر وليست ملزمة، ورضي المهاجرون والأنصار بعمر خليفة، فلم تثبت خلافة الفاروق  إلا بعد رضا الأمة، فأصل الحكم اختيار حر يجسد الأصل الأصيل في الحكم: رضا الناس.

واقترن عصر الانحطاط وبداية الظلمات باغتصاب حق الأمة في الاختيار الحر لحاكمها. وضُيَق على حق الأمة في إنفاذ إرادتها واختيار من يحكمها، أو بالأحرى صودر حقها، بصيغ التغلب والقهر وأهل الحل والعقد وتولية العهد، حتى صار أمر الأمة يقرره فرد واحد وليس عمومها. وما يعرضه التراث الفقهي السياسي صيغ بمفاهيم وظروف وعقليات واجتهادات مضى عليها ألف عام، وتحمل قدرا كبيرا من الخضوع والتسليم بالأمر الواقع، بل إن ما تقدمه في بعض القضايا تجافي حقائق الدين وتفضي في حالات كثيرة إلى تقديس الحاكم الفرد وتهميش فظيع للأمة.ولعله لم يزد المتأخرون كثيرا على ما قرره وكتبه فقهاء السياسة الشرعية في القرن الرابع للهجرة، والإضافات قليلة، وحتى محاولات البحث والنظر في الأزمنة المتأخرة لم تتجاوز السطح إلى الغوص في أعماق القضايا السياسية إلا ما ندر.

والمشكل أن التراث الفقهي السياسي كان العامل الأكثر تأثيرا في تشكيل أكثر القناعات والمفاهيم السياسية في المجال التداولي الإسلامي وحتى يومنا هذا، ومازلنا إلى اليوم نُخير بين "فتنة عظيمة" أو "حاكم مستبد"؟ومهم ملاحظة أنه رغم أن الفقه السياسي هو الحلقة الأضعف في التراث الفقهي من حيث التنوع والاجتهاد والتوسع والتجديد، إلا أن تأثيره في العقلية السياسية الإسلامية عبر الأجيال لم يضعف إلى يومنا هذا.

ومع أن فقهاء السياسة لم يبيحوا التغلب، لكنهم أقروا حكمه بعد التمكن، وشددوا في العزل والتنحية إلى ما يقارب المنع، فكأنما عبَدوا للمتغلب طريق التسلط من دون أي رادع، حتى صار الحاكم يستمع قوته من الشرطة والجند يواجه بهم غضب عموم الناقمين ويرسي بهم حكمه، ويأتي بهم من بلاد الترك والشركس والتتار، وانتهى هذا الحال البئيس التعيس إلى أن أصبح العسكر أو الجيش الانكشاري في عصر انحطاط الدولة العثمانية يُنصبون الداي ويعزلونه، وهم المتصرف في شؤون الحكم، وسبقهم إلى هذا الانحطاط المماليك في حكمهم لمصر.

ويظل موقف مالك بن أنس نبراسا لكل عالم حر لم يجبن، لما ضُرب حُمل على بعير فقيل له: ناد على نفسك، فقال: "ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس، أقول: طلاق المكره ليس بشيء ألا إن أيمان البيعة باطلة"، مبُطلا بدعة أيمان البيعة التي اخترعها أو جلبها معهم حكام بني العباس، ومُبطلا بيعة القهر والتغلب.وحُكم التغلَب جرَ على الأمة الكوارث والويلات وأقره فقهاء السياسة الشرعية قديما في عصر التدوين، وإن على مضض، وسايرهم عليه من أتى بعدهم، إلى يومنا هذا، ولم يبحثوا له عن بديل ولا عن حل، لم يتحدثوا عمَا يصون المجتمع ويحميه من بطش الحاكم الظالم المنحرف سوى كلام غامض عمَا سموا "أهل الحل والعقد"، وأوكلوا إليهم الأمر، وقد ينتهي مدلوله في بعض الأحيان إلى حكم الفرد، فكان الطغيان والاستبداد معضلتنا الكبرى اليوم وغلبت الوثنية السياسة على تفكير كثير من أهل العلم، ممن يخشون التغيير ويريحهم التملق والتزلف للحاكم جبنا ومسايرة وجمودا وطلبا للسلامة.

قراءة 134 مرات آخر تعديل في الخميس, 17 أكتوير 2019 19:10