الإثنين, 04 نوفمبر 2019 06:06

"الحراك" الشعبي في مواجهة ألغام الهوية مميز

كتب بواسطة : بقلم: رضا أبو أحمد / كاتب

* "الحراك" حدث مفصلي في تاريخ الجزائر المعاصر:

شكل الغضب الشعبي الجارف لترشيح الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة بداية محطة فارقة في تاريخ الجزائر المعاصر ونقطة انطلاق ما اصطلح على تسميته بـ(الحراك).. مظاهرات عارمة في كافة ولايات الوطن، انتقلت سريعا من المطالبة برحيل الرئيس المُقعد إلى المطالبة بإصلاح عميق وجذري لكافة منظومة الحكم القائمة منذ الاستقلال. هذه الهبَة الجماهيرية أرعبت مختلف العصب المتنافسة داخل مؤسسة الحكم، التي اعتادت، رغم تنافسها فيما بينها، على أن تنظر إلى الجماهير كتلة محايدة يسهل استمالتها بمختلف الطرق بعد القضاء على المنافسين الحقيقيين.

وأمام كثرة ضخامة أعداد المتظاهرين، خاصة يوم الجمعة، اختار النظام عدم استخدام القوة المفرطة التي قد تؤدي بالبلاد إلى نفق مظلم كالذي عشناه في التسعينيات. في المقابل، تفتقت أذهان بعض المغامرين في دهاليز الحكم والأجهزة السيادية إلى أساليب أكثر خبثا قذارة وتهديدا للحمة الوطنية على المدى المتوسط والبعيد.

* فرق تسد... عن طريق الهوية:

سياسات الهوية هي المصطلح الحديث في علم السياسة للتعبير عن فكرة قديمة قدم العالم (فرق تسد) أمام مطالب جماهيرية موحدة وواضحة لم تجد بعض الأطراف داخل النظام من وسيلة لإنقاذ شبكات مصالحهم أحسن من زرع بذور الفتنة والتفرقة بين المجتمع لتحقيق مصلحة آنية عاجلة على حساب الوطن ككل وتماسكه.

* المؤامرة الزوافية:

عن طريق لجان إلكترونية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، روَجوا أسطورة لبعض شذاذ الآفاق من مدعي البحث العلمي، فحواها أن "الأمازيغ" (البربر) كانوا عبر العصور عنصر خيانة منذ أيام الحروب البونيقية ضد روما إلى أيام الاحتلال الفرنسي، إذ تطوع العشرات بل والمئات، وفقا لهذه الأسطورة، من أبناء قبيلة زواوة البربرية الشهيرة في خدمة الاحتلال الفرنسي، وصولا إلى التاريخ المعاصر، حيث رأت هذه الفئة في مؤتمر الصومام محاولة للسيطرة على الثورة، ثم بعدها الحرب الأهلية الدامية التي عرفتها البلاد في التسعينيات، التي ليست إلا ترجمة لحقد هذه الفئة الدفين على الأمة والمجتمع الجزائريين، حسب ادعاءات مروجي هذه الأسطورة.

طبعا، سمادير كهذه يعتبر مجرد الرد عليها والدخول في حوار مع أصحابها، هو إصباغ نوع من الاحترام الذي لا تستحقه، وهذا لمنافاتها أساسيات البحث التاريخي، حيث لا توجد استمرارية بين ما فعله ماسينيسا وحنابعل وبين أفعال واختيارات ناس جاءوا بعدهم بألفي سنة. لكن المغزى لم يكن أبدا إثبات النظرية من الناحية التاريخية بقدر ما كان التشويش على الحراك بحوارات لا تقدم ولا تؤخر، بل والأسوأ هو التخويف من مكون أصيل للشعب الجزائري، وهم البربر (الأمازيغ)، ومحاولة وضعه موضع الشبهة والاتهام، فهو انفصالي متستر رغم كل ما قدمته الولاية التاريخية الثالثة من تضحيات في سبيل تحرير هذا الوطن، وهو محارب لدين الله متنصر، رغم جحافل العلماء الذين قدمتهم زواوة للأمة الإسلامية، وعشرات الزوايا والمعاهد الدينية التي تزخر بها منطقة القبائل، وتخرج منها أجيال من العلماء والمصلحين والمجاهدين ورجالات الدولة بعد الاستقلال. بضاعة رديئة كهذه، سعى بعض المغامرين لترويجها في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتساوى العالم والجاهل والمصلح والمفسد والباحث النحرير والمنكر لكروية الأرض.

* المؤامرة العلمانية على الدين الإسلامي:

محور آخر تحركت فيه الدعاية المضادة للحراك الشعبي، وهو ترويج فكرة (عبر القنوات والأساليب والحجج نفسها) أن الحراك هو صنيعة شلة من عتاة العلمانيين، هدفها الأول هو القضاء على الدين الإسلامي في ربوع هذا البلد عن طريق نشر قيم الحرية المطلقة والإباحية، التي ادعوا أنها الهدف الحقيقي للحراك. مع إعادة كتابة تاريخ العشرية السوداء وتحميل شلالات الدماء التي سالت للمعسكر العلماني كله، وليس لمن كان يمسك بمقاليد السلطة في ذالك الوقت أو من يعارضهم بالسلاح في الجبال، فيتساوى الجنرال الدموي والكاتب الصحفي الذي يطبل له، وربما لو انتصر الفريق المقابل كان سيعفي لحيته ويطبل لهذا الفريق.

لن أذيع سرا هنا إذا قلت إن هناك فئات من الشعب الجزائري تؤمن بالعلمانية وبقيم الحداثة الغربية، وهذا موجود في كل الدول العربية والإسلامية قبل الاستقلال وبعده، لكن الغالبية العظمى من الجماهير هي على فطرة الإسلام الصحيح. وإذا دققنا النظر إلى هذه الفئة، نجد منها في معسكر النظام كذلك من هم من عتاة العلمانيين.

وإذا رجعنا إلى الوراء، العشرية السوداء، فسنجد أن النظام كان يطير بجناحين -إن جاز التعبير- جناح علماني، تمثله الأحزاب والقيادات الاستئصالية وجناح وطني إسلامي، مثلته الأحزاب الإسلامية التي انحازت للسلطة وقادة التيار الديني التقليدي وبعض الشخصيات التاريخية من قدامى المجاهدين إلخ. في المقابل، سنجد من بين الأحزاب التي قد توصف بالعلمانية من عارض الانقلاب علانية، ودعا إلى حل تفاوضي منذ بداية الأزمة.

ومن الظلم أن نسوَي بين موقف جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من ـجل الثقافة والديمقراطية لسعيد سعدي، أو موقف حزب الطليعة الاشتراكية للهاشمي شريف أو التحالف الوطني الجمهوري لرضا مالك. *حراك أوعى من السلطة: كل هذه الحفر والمطبات تجاوزها الحراك الشعبي بعبقرية وأريحية، ولم تنل من وحدة الشعب الجزائري الذي صهرت عناصره: عربا وبربرا وأندلسيين وأتراكا شدائد السنين وأنهار الدماء في ميادين الشرف التي لا يعرفها بعض المقامرين داخل دهاليز الحكم.

وللأمانة، وجب القول إن استعمال وسائل التواصل الاجتماعي للترويج لهذه الأباطيل كان في حد ذاته نوع من التبرؤ منها و الاحتفاظ بخط الرجعة لما تستقر الأمور للحاكم الفعلي الجديد، حيث حافظت وسائل الإعلام الرسمية المملوكة للدولة، وحتى الخاصة، على الرواية الوطنية الرسمية ولم تتورط في أوحال التحريض العرقي.

 * استمرار النظام هو الخطر على الهوية:

في الأخير، أود القول إن الجزائر بلد الأربعين مليون نسمة لا يمكن أن تبقى بمعزل عن محيطها وما يؤثر فيه..وانسداد الأفق في وجه الشباب، الفئة الغالبة على المجتمع، بسبب استمرار النظام الحالي بأساليبه المهترئة البالية، هو الذي يشكل خطرا على هوية المجتمع بزرعه اليأس والإحباط في قلوب فئات عريضة من المجتمع. وفي ظل نذر الأزمة الاقتصادية المحدقة، كيف سيتعامل هذا النظام الفاشل مع القنبلة الموقوتة التي تشكلها البطالة وتأخر سن الزواج وأزمة السكن؟ كيف لنظام مرد على توزيع الريع بينه أن يجيب عن هذه الأسئلة، فضلا عن أن نثق فيما يقدمه من حلول.

قراءة 460 مرات آخر تعديل في الإثنين, 04 نوفمبر 2019 07:07