الأربعاء, 06 نوفمبر 2019 08:45

"انتفاشة" القضاة..."تعلمنا الدرس"! مميز

كتب بواسطة :

ليس ثمة ثورة تولد مُلهمة مُدركة مُستوعبة مُلمة، هذا ما كان ولن يكون..ولم يقل أحد بعصمة الثورات ولا بكمالها..ومن يتوقع الصواب الجماعي في كل تقدير، فهذا سيجرفه الإحباط ويتسلل إليه الملل..أعجبني كثيرا تعليق أحد الأفاضل على وقف القضاء إضرابهم بعبارة بسيطة بليغة: "تعلمنا الدرس"..نعم ..وما العيب في التقدير الخاطئ، المهم أن لا نخون ولا نجبن ولا نغدر..أما أن يراهن بعضنا على تحرك، ثم يخيب ظنه فيه، لا إشكال في هذا، الأهم أن يتدارك سريعا ولا يمضي في وهمه..وهذا ما حصل مع "انتفاشة " القضاة..ثقوا في عقل الحراك ووعيه..أما التقديرات الخاطئة، أحيانا، فلا يكاد يسلم منها أحد..

كنا في مجلس حراكي، وكنت مهموما منقبض الصدر..

فخرجت كلمات من صديقي الناشط السياسي "سيف الإسلام بن عطية"، نزلت على عقلي القلق بردا وسلاما، وسرَى عني ما كنت فيه، حتى هو ضحك وقال: "هذه من الحالات النادرة التي أتفق فيها مع أخي خالد"..ومما قاله: "كنا نتضايق، في البداية، من بعض شعارات الحراك المناوئة للسلطة الفعلية ونتحفظ عليها، وشعارات أخرى مماثلة تطالب برحيل رموزها..لكن تبين لنا فيما بعد أنهم أوعى وأنضج منا.."، نعم وهذا صحيح..والعبرة بالحقائق على الأرض لا بالتقديرات النظرية والتصورات التجريدية..

وأذكر هنا أن المفكر الفذ "إدوارد سعيد"، أقر بأن الواقع انتصر لغرامشي (الفيلسوف الماركسي الإيطالي المعروف)، في تعريف المثقف وتقدير سلطة المعرفة، على الرغم من أنه كان يميل إلى مفهوم "جوليان يندا.."..وكانت هذه لفتة ذكية من "إدوارد"..أن الواقع يصدق التقدير أو يخطئه، وهو كذلك في حراكنا الثوري، وفي كل تقديراتنا وتصوراتنا واختياراتنا السياسية..فالواقع، بحقائقه الصادمة المُفزعة، مدرسة نتعلم منها ما نشعر بمرارته أحيانا، لكنها المعرفة العملية التي تزيدنا نضجا وصلابة..

نعم، نتحرى الصواب وقد لا ندركه، لكن الميدان يعلمنا وينضج تجربتنا ويبصرنا بما هو كائن، ما لم تزودنا به الكتب والقراءات النظرية، فالكتاب يروي لك تجربة وقصة آخرين ينقلون لك واقعا لم تعشه، فتستمتع بروايتهم وربما تتفاعل مع تجربتهم وقد تتأثر، والواقع أنت تصنعه وترويه لغيرك بعد فترة، فأنت صانعه وناقله، وهذا أبلغ في التعلم والتجربة والتصويب والتسديد.

وربما الذي استفدناه من درس "القضاة"، أن لا نرفع سقف توقعاتنا من أي حركة احتجاجية عمالية ومطالب فئوية، نعم كل رفض واحتجاج يخدم الحراك، في منبعه ومصبه، لكن لا نُعلق عليه آمالا كبيرة، ولا نربط مصير الحراك وزخمه بأي تحرك احتجاجي..فالحراك ماض في طريقه..نعم تقويه حركة الإضرابات وتزيده صلابة، لكن لا نراهن عليها حتى لا يتسلل الإحباط إلى صفوف الحراك، ونغرق في الحسرات والآهات..

قراءة 1057 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 06 نوفمبر 2019 16:05