الثلاثاء, 19 نوفمبر 2019 20:40

الانتخابات المستحيلة وإعادة اختراع "الشعب" مميز

كتب بواسطة :

ثلاثة أيام من الحملة الانتخابية كانت شاقة وطويلة على المرشحين الخمسة. كل المؤشرات تقول بأن المخاطرة لم تحسب جيدا من طرف السلطة الفعلية، ومن طرف الذين غامروا بالتورط فيها، فعلى كل الجبهات تبدو الانتخابات مستحيلة من الناحية السياسية، حتى وإن بقي تمريرها بالقوة أمرا واردا من الناحية النظرية.

المشكلة لا تطرح في تلك القطاعات الواسعة من المجتمع التي ترفض الانتخابات فحسب بل تمتد إلى الفشل الذي منيت به محاولات السلطة إنتاج صورة الانتخابات العادية في حدها الأدنى، وكان واضحا منذ البداية أن معركة الصورة هذه هي الأهم في نظر السلطة حيث كانت الخطة تقتضي أن تركز قنوات التلفزيون (العمومية والخاصة) على العملية الانتخابية لتقديم صورة مقبولة عن العملية تتجاوز آثار الرفض الشعبي لها، ويضاف إلى هذا تضخيم المسيرات التي يجري تنظيمها من قبل الإدارة لخلق الانطباع بوجود سند شعبي للانتخابات، ليتم تقديم كل هذا تحت عنوان الانقسام المجتمع بين مؤيد للانتخابات ومعارض لها.

وقد شكلت هذه المسألة الجزء الأهم من خطاب المرشحين الخمسة في الأيام الثلاثة الأولى من الحملة التي انطلقت الأحد الماضي.كان بوسع السلطة أن تكسب هذه المعركة في عصر آخر، لكنها أهملت العامل الأهم الذي أخرجته الثورة السلمية إلى الواجهة وهو التكنولوجيا (أكثر من هذا هناك من يقول بأن التكنولوجيا هي من صنعت هذه الثورة السلمية، وهذا يجعل إهمال هذا العنصر أمرا أكثر غرابة).

فالوضع اليوم مختلف تماما عما كان عليه سنوات التسعينيات عندما كانت تنظم المسيرات "العفوية" في أجواء حرب مزقت المجتمع وتجري في ظل تعتيم كامل غير قابل للاختراق، ولأن أكثر من 23 مليون جزائري يملكون حسابا على فيسبوك، ويتم استعمال هواتف ذكية بعدد يماثل عدد السكان أو يفوقه، فإن فقدان قنوات التلفزيون لمصداقيتها دفع بالمعركة إلى ميدان افتراضي أظهر تفوقا كاسحا للأغلبية التي لم تعد تجد نفسها في المؤسسات السياسية التقليدية ولا في وسائل الإعلام التقليدية الخاضعة للسلطة بصرف النظر عن ملاكها.

ذهب المرشحون إلى الأماكن التي تحتضن تجمعاتهم فوجدوا في الشارع من يهتف برفض الانتخابات، وقد سبقت صور الرفض هذه نشاطات المرشحين، كما حدث في تلمسان وأدرار وقالمة ومدن أخرى، وفي مقابل صور اختيرت بعناية، والتقطت من زاوية ثابتة، ظهرت الصور الأخرى التي تظهر الحجم الحقيقي للمشاركين في التجمع الانتخابي كما حدث في وادي سوف، بل وظهرت معه كاميرات وسائل الإعلام التي يصطحبها معه المرشح وهي منصوبة في وسط القاعة تماما حتى لا يظهر الجزء الفارغ من المكان، في حين اختارت القنوات التي تنقل خطابات المرشحين على المباشر الاعتماد على كاميرا واحدة ثابتة تجنبا لإظهار الحجم الحقيقي للحضور مع العلم أن الخيار كان عقد التجمعات في قاعات صغيرة مراعاة للظرف الذي تجري فيه العملية، وكل هذه التفاصيل تم الاطلاع عليها بفضل منصات التواصل الاجتماعي التي تنقل الوجه المخفي للحقيقة.

هكذا تحول دور وسائل الإعلام إلى تغييب الشعب عن الحملة الانتخابية، وهو تغييب للمشاركين والمقاطعين على حد سواء، وفي مقابل ذلك تمت الاستعانة بالخبرات القديمة في تركيب صور بوتفليقة المريض من أجل إخراج صور مقبولة لمسيرات ينظمها الولاة بتعليمات فوقية، وحتى هذه ظهرت صورها الحقيقية وتحولت إلى إساءة كبيرة للدولة والجيش الذي تم إقحامه في مسيرات دعم الانتخابات بطريقة فجة وغير مبررة.الجبهة الأخرى التي فتحتها السلطة كانت ضد المتظاهرين، فقد بدأت حملة اعتقالات واسعة في صفوف المشاركين في الاحتجاجات السلمية ضد الانتخابات، وصدرت أحكام قاسية ضد بعض المتظاهرين (الحكم بثمانية عشر شهرا حبسا نافذا في حق أربعة متظاهرين سلميين في تلمسان).

لكن حملة الاعتقالات هذه لم تنجح في إنهاء الاحتجاجات في كل الولايات التي قصدها المرشحون، وبعد اليوم الأول تحولت الإجراءات الأمنية المشددة التي تحيط بالمرشحين إلى دليل آخر على الطابع المستحيل لهذه الانتخابات، تماما مثلما أثبتت أن الرفض لها شامل في جميع أنحاء الوطن بما فيها الجنوب الذي اكتشفت السلطة متأخرة انه لم يعد ميدانا مناسبا لتصوير مسرحية انتخابية.في اليوم الثالث من هذه المسيرة نحو المجهول، ألقى رئيس الأركان خطابا من الناحية العسكرية الرابعة بورقلة، تحدث فيه عن جميع فئات الشعب التي هبت عن بكرة أبيها للتعبير عن تأييدها للانتخابات.

وقد تبين من خلال الخطاب أنه ليس لدى السلطة ما تقدمه غير ورطة الانتخابات، فهي لا تؤمن إلا بما اصطنعته هي، وما تروجه من خلال إعلامها، أي تلك الصورة التي تريدها بديلا عن الحقيقة الساطعة التي يراها العالم بأسره، وليس الجزائريون وحدهم، وفي إصرار غريب على السير عكس حركة التاريخ، انتقل خطاب رئيس الأركان من الحديث باسم الشعب إلى إعادة اختراع هذا الشعب من خلال اختزاله في المشاركين في تلك المسيرات البائسة التي نظمتها الإدارة.

رئيس الأركان جدد التذكير بأن لا طموحات سياسية للجيش، والحقيقة أنه كان يكرس القاعدة التي تضع الجيش فوق الجميع، فالسياسة كانت، ولا تزال، مهمة الموظفين الكبار من المدنيين، أما الحكم فمسألة يختص بها الجيش باعتباره السلطة الفعلية، وهذا تفصيل بسيط مقارنة باحتكار معرفة الشعب وما يريده، وبالاستئثار بالوطنية.

لم يسعف خطاب رئيس الأركان المرشحين الخمسة في شيء، ولم يقدم أي دفع للعملية الانتخابية، فقد تم استعمال كل ما لدى السلطة، وأظهرت القوة محدودية تأثيرها في مواجهة شعب مصر على إعادة صياغة قواعد اللعبة بكل سلمية وبعيدا عن الفلكلور الانتخابي الذي تحول إلى مادة للسخرية.

قراءة 246 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 19 نوفمبر 2019 20:51