الأحد, 24 نوفمبر 2019 07:17

انتخابات تحت شعار "الاستحمار" مميز

كتب بواسطة : بقلم: رضا أبو أحمد / مدون وكاتب

عندما يشب حريق في بيت، ويدعوك أحدهم للصلاة والتضرع إلى الله، ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن. فكيف لو كانت دعوته إلى عمل آخر أقل شأنًا ؟ فالاهتمام بغير إطفاء الحريق، والانصراف عنه إلى عمل آخر، ما هو إلا استحمار، وإن كان عملًا  مقدسًا أو غير مقدس.

بهذا الصورة، عرف المفكر والفيلسوف الإيراني "علي شريعتي" مصطلح "الاستحمار"، الذي دخل قاموس السياسة من حينها.وإذ نشاهد إصرار السلطة الفعلية على المضي قدما في انتخابات 12 ديسمبر القادم مهما كانت المعارضة الجماهيرية لها، فلا يمكننا إلا أن نستحضر "الاستحمار".*تشخيص صحيح ونتائج خاطئة.

بعد تسعة أشهر من انطلاق الحراك والعشرات من المبادرات السياسية من جهة السلطة والحراك، يتفق الطرفان أن المخرج الوحيد من الوضع الحالي هو انتخابات رئاسية، لم يعد هناك مكان لـ(المجلس التأسيسي) ولا (الفترة الانتقالية) مجهولة المعالم والقيادة.

لكن الطريقة المبتسرة التي أُدير بها (الحوار الوطني) ومخرجاته: لجنة تنظيم الانتخابات والقانون الانتخابي الجديد الذي تم بالإملاءات المباشرة من السلطة الفعلية أكثر من التوافق الوطني، وقبل هذا وبعده الاستماتة في التمسك بالثنائي بن صالح / بدوي، بما يمثلانه بتاريخهما العريق في الفساد والقفز على الإرادة الشعبية عبر ترأس أحدهما سيئ السمعة (المجلس الانتقالي) وتورط الثاني في جمع ستة ملاين استمارة لدعم ترشح عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة. وإقناع الجماهير بإمكانية قيام انتخابات نزيهة بإشراف هذا الفريق التنفيذي هو الاستحمار !

*عودة المظاهرات العفوية:

سنة 1995 بعد انعقاد قمة "سانت ايجيديو في روما، وكانت أهم مبادرة سياسية للخروج من أتون الحرب الأهلية التي غرقت فيها البلاد، والتي تمت بمشاركة معظم الأحزاب الفاعلة على الساحة السياسية، كان الردَ "العبقري" الذي تفتقت عنه أذهان الأجهزة السيادية هو افتعال مظاهرات (عفوية) في كل مدن الوطن، تُبثَ مباشرة على التلفاز الوطني في مختلف النشرات الإخبارية.

كان قوام هذه المظاهرات العفوية هم طلبة المدارس والثانويات وعمال الإدارة المحلية ومختلف شركات القطاع العام، وطبعا لا تكتمل العفوية إلا بحضور عدسات التلفاز الرسمي الذي يمر بالصدفة بجنب هذه الحشود.والغريب أن الفريق الحاكم اليوم الذي بنى شرعيته على سردية مفادها أنه كان ضد التيار الاستئصالي في خلال التسعينيات، يلجأ مجددا لأساليب مشابهة اليوم لحشد الدعم لانتخابات منبوذة.

واليوم، في عهد السماوات المفتوحة وانتشار استخدام الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعية، تتنافس بعض السلطات المحلية في إثبات ولائها للحكم الفعلي عبر إعادة إحياء هذا الاحتمال الخائب بإلزام عمال شركات القطاع العام وبعض تلاميذ المدارس، بتنظيم مظاهرات مؤيدة للانتخابات أحياناـ وأحيانا أخرى حضور تجمعات بعض المرشحين لهذه الانتخابات مجددا، فنحن أمام حالة استحمار مكتملة الأركان.

* "كاستنج" مثير للقرف والاشمئزاز:

أكبر مانع للانتخابات ومحرض ضدها، هم مجموعة المرشحين الذين اختارتهم اللجنة العليا للانتخابات ومن ورائها الحكم الفعلي، بادَعاء أنهم اجتازوا حاجز استيفاء الشروط وجمع التوقيعات.منتهى الغرابة أن نرى الحكم الفعلي الذي بنى شرعيته بعد إزاحة بوتفليقة على محاربة العصابة بسجن كثير من رموز الفساد في العشرين سنة الماضية، سواء من الساسة أو من رجال الأعمال، نجده اليوم يوافق على ترشح رئيسي حكومة ووزيرين سابقين وآخر معروف بصلاته مع الدولة العميقة طيلة مساره المهني.

أسماء ارتبطت بملفات الفساد من العيار الثقيل في الماضي والحاضر، وفوق هذا تفتقد لأي نوع من قوة الشخصية أو الكاريزما التي يمكن أن تستقطب بها الجماهير خارج ما سيمنحه الحكم من "كوطا" معروف مسبقا لكل أرنب.

أما (المحظوظ) الذي اختير للفوز في هذه الانتخابات، فسيكون فاقدا للشرعية الشعبية ولأيَ نوع من الاحترام والحصانة.

ما يدفعنا للقول إن الحكم الحالي لو كان له برنامج آخر غير الاستحمار لتكلف عناء اختيار شخصيات أكثر مصداقية ونزاهة لإقناع الجماهير بأهمية هذه الانتخابات .

خلاصة الأمر أن أصحاب القرار، رغم كل الكلام المعسول الذي قالوه في الحراك الذي حرر إرادتهم في مكافحة الفساد وإزاحة الرئيس السابق عن الحكم، لا زالوا يفكرون بمنطق الإملاءات والوصاية على الشعب. ومن أجل إستكمال خريطة الطريق الموضوعة مسبقا، فإن كل شيء مباح في سبيل الوصول إلى 12/12، وعلى رأس هذا: الاستحمار!  

قراءة 228 مرات آخر تعديل في الأحد, 24 نوفمبر 2019 07:31