الخميس, 19 ديسمبر 2019 08:08

عن أيَ "واقعية" و"عدمية" تتحدثون؟ مميز

كتب بواسطة :

لا أدري ماذا يعني بعض الناقدين والمتفلسفين بقولهم "عدم الاكتفاء بالعدمية"...استمرار الضغط الشعبي بالحراك يرونها عدمية؟ مشكلة هؤلاء أنهم ينظرون عن بعد، يقرأون ويتأثرون بالمكتوب والمنظور والخداع البصري، ثم يقررون؟

كل جهابذة الفكر السياسي، من العقول المتزنة الراجحة، في الأزمنة المتأخرة ممن خاضوا معارك السياسة، يرون بالضغط الشعبي، بعد طول تجربة ونظر وقراءة وتأمل واجتهاد، بتحريك الشارع سلميا ونهوضه لقلب الطاولة السياسية على الجميع، لإرباك السلطة وإرغامها على التنازل التدريجي..أما حدود الممكن والمُستطاع، فهذا يُقدر بقدره..

أكثر نظريات التغيير جُربت وفشلت، كل التجارب التي مرة أخفقت، لأن العقل فيها لم يتطور، والانغلاق كان سيَد الموقف والاستعلاء والوصاية سيطرا على النظرة والتقدير..اليوم، قلبت التحولات كثيرا من الموازين، والشارع العاقل تقدم وعيه بما تجاوز به عقل التنظيمات والتجارب الضيقة وتخطى أسوارها...مشكلة من يرى بـ"عدمية" الحراك، أنه يفكر بالعقل القديم، بأنماط تفكير تجاوزها الزمن الثوري...

"البدائل" و"الواقعية السياسية"، عبارات رنانة، لكن ما مقتضاها العملي؟ ربما يقصدون تنويع مسارات الضغط، وهذا مما لا يُستغنى عنه، لكنه ليس بديلا ولا واقعية، وإنما هذا مما لا ينفك عنه أي ضغط شعبي، ونعني هنا تحديدا مسار الضغط السياسي..فكرة طُرحت في قلب الحراك وفي خضمه منذ فترة، وهناك من ينكب عليها انكبابا، ومنشغل بتشكيل قوة ضغط سياسي، ناهضة واعدة تتجاوز التركية والموجعة والموروث البالي، لكن ما أعيبه على بعض التجريديين المتفلسفين، أنه يتحدث وهو خارج الحراك، على مسافة منه..فليته ركب معنا سفينة الحراك، أقوى ما نملكه، إستراتيجيا، الآن، ونسندها بتحرك سياسي ضاغط..

ما يُقدمونه يتوهمون أنه "بدائل" أو "واقعية"، لكنه في حقيقة الموقف والتقدير المستوعب للصراع وأطرافه، لا هو بديل ولا واقعبة. والحراك مُدرك لأهمية تنويع مسارات الضغط، إذ الشارع لا يتحمل العبء وحده، ولا يطيق هذا، ويأتي المسار السياسي الضاغط ليعزز خيارنا ويسنده ويقويه، لكن بأي عقل ومنطق سياسي ورؤية؟ هذا التحدي والمحك..ليس ثمة بديل عن الضغط الشعبي والسياسي وتحريك الشارع بوعي وعقل لكن بقدر من المرونة مع طول النفس..

والذي ما زال يتحدث عن الانتخابات، من باب "الواقعية"، فهذا متوهم، كل العملية الانتخابية، من أولها إلى آخرها، كانت مُغلقة، بل تحت وصلية سلطة العسكر، وجميع الوجوه التي كانت تدير المشهد إعلاميا، من سلطة مراقبة الانتخابات وحكومة ورئاسة بئيسة فارغة، كانت تنتظر الإشارة والأمر من سلطة القرار الفعلي، لم تكن ثمة أي ثغرة في هذه الانتخابات يمكن التسلل منها، مقلما توهمه بعض البريئين من السياسة، ورفض العملية برمتها كان موقفا ثوريا متقدما من الحراك سبق به الطبقة السياسية وما يُسمَى "النخب" والمتفلسفين..

الحراك الشعبي الواعي عرَى السلطة، كشف الحاكم الفعلي، اختصر علينا وقتا نفيسا وأبطل كثيرا من الزيف والوهم: كل الواجهة المدنية، من حكومة ورئاسة وقضاء وأجهزة، تحت قبضة مجموعة حاكمة فعليا مُسيطرة، وسلطة العسكر تضخمت بشكل فظيع مريع، والمعركة الحقيقية تدور بين الشارع بعقله وزخمه وضغطه ومساراته وبين السلطة الفعلية، لكن حول ماذا؟ الدفع المستمر الضاغط السلمي الشعبي والسياسي لإرغام هذه المجموعة المسيطرة أو كما يسميها بعض الدارسين "نواة الحكم" للتنازل التدريجي، وما عدا ذلك اختلاف في التوصيف والتقدير، هذه هي المعركة الحقيقية...

ومن يدعي الواقعية ويدعي أن ثمة بدائل، خارج هذه المعركة، فإنما يدفع بالحراك إلى الوراء إلى المربع الأول الذي انطلق منه، هذا باختصار..داخل هذ المعركة وفي خضمها، لك أن تبدر وتنوع مسارات الضغط، لكن الخروج من ساحة هذه المعركة وحدودها وحقيقتها عدمية وعبث، فالعدمية والعبث في الصراع خارج حدود المعركة وبعيدا عن جوهرها وصميمها..لن تكون عملية التحول الديمقراطي يسيرة، وتتطلب وعيا ثوريا ويقظة ومزيدا من الضغط الشعبي...وإذا تُرك الأمر للسياسيين التقليديين ممن أُشبعوا ذُلا في العهود الماضية أو انخرطوا، سابقا، في لعبة النظام، أو للعقول الطريَة، فهذا يعني انتحار سياسي للحراك.

و ملازمة التفكير بمنطق الاختيار بين شرَين وصاية على العقل الحر وحظر للممكن المتاح، وإذا ارتضيناه سنعيش أبد الدهر، بهذا المنطق الخامل، تحت السقف الواطئ.. .والتعود على السقف الواطئ، واستمراؤه، يفرض عليك، مع الوقت، حدود طولك، ليتكيف ظهرك مع هذا السقف، لتألف الانحناء.. وتصير، مع الوقت، على مقاس ذلك السقف الواطئ.. حتى لو أزيح السقف، واتسعت حدود الممكن وبلغت عنان السماء.. فإنك ستظل منحني الظهر.. ولن يكون من السهل تجاوز هذا السقف بعد ذلك...وقد يكون ادعاء الحكمة والفهم والبصيرة تسترا على تلكؤ أو قعود وخذلان أو استعلاء ووصاية.. 

قراءة 304 مرات آخر تعديل في الخميس, 19 ديسمبر 2019 08:31