الأحد, 22 ديسمبر 2019 19:51

لم العجلة في تلقَف قنبلة الحوار؟ مميز

كتب بواسطة :

لا أدري لم يستعجل بعضنا الحديث عن كل ما هو مثار ومطروح، ما أعجلهم؟ عن الحوار وتفاصيله، ورؤية القادم، وما ينبغي وما لا ينبغي، هل وجدتم ما وعدتكم السلطة به؟ بل هل وعدتكم السلطة بشيء؟ فلم هذا الاندفاع والتدفق السطحي، الذي يفتقد للعمق والرويَة.

والحرية السياسية شرط أوَلي لانفتاح المجتمع ووعيه ويقظته، ومنعُها يُضعف القدرات العقلية والفكرية للمجتمع. والشعوب ناقصة الحرية ناقصة الإنسانية وضعيفة القدرة والمبادرة. والحرية هي أول شرط لوجود العدالة، وحيث لا حرية فلا عدالة، والسلطة تصرَ على الغلق والتضييق والكبت والمطاردة والمنع، فلا معنى لحديث عن الحوار، والغلق سيَد الموقف.

وأكثر من يتحدث في السياسة هو من يجهلها، وغالب من ينفذها يصمت عما يفعل..وفي السياسة، الثرثارون والمُكثرون هم أقل الناس وعيا وإدراكا وفقها بالسياسة..

الحراك الشعبي يمارس سيادته على الشارع، والمعركة طويلة، والرؤية تحتاج إلى ترو وصقل، واندفع قوم يخوضون في أمهات القضايا السياسية، ويحسمون ويقطعون ويُنظَرون، وإلى الآن لم نسمع من السلطة إلا همهمات وغمغمات، وكلام لا يكاد يبين..والإعلام ينفخ ويكثر اللغط ويثير الزوابع، وبعضنا لا يكاد يفوت أي فرصة للحديث أو الظهور الإعلامي، وكأن القطار مغادر، ويخشى فواته، وغفل عن أن الشعب هو أساس الحكم وليس السلطة.

والرؤية إنما تنضج بالنقاش الثري والاستماع والتأمل والاتزان، والوضع معقد ومتشابك، والحراك صامد مُصمَم، والثرثرة تشغيب وتشويش على عقل الحراك، والقضية لا يحسمها عقل واحد، أيَا كان، وإن كان من رُوَاده، وتُصقل الفكرة بالنقاش الثري، وتنضج الرؤية بالمحاورة الجماعية، أما أن تنقدح فكرة في عقل أحدنا، فيبادر إلى نشرها والتحمس لها، فهذا مما يُشتت عقل الحراك ويُغرقه في متاهات الأفكار والمبادرات..

واستيقظت السلطة اليوم على سيل وتدفق للمعلومة والمعرفة، وقد كان الحاكم في السابق يحسب أنه مصدر المعلومة وأساسها، كما كان يرى أن السائد الذي رسمه إعلامه وأجهزته وإداراته هو الصحيح المسيطر، لكن هذا كله اختلف حين أتت ثورة التقنية التي نجحت في إيصال الانطباعات السائدة بوضوح. فما عاد الناس، كما في السابق، يتعاملون مع السلطة على أنها مصدر المعلومة، ففي زمان وسائل التواصل الاجتماعي، تغيرت المعادلة، وأصبح الناس يُسهمون في تشكيل المعرفة وصناعة الوعي، وهذا مصدر قوة الحراك والمجتمع الثائر الناهض، ولم تسيطر عليه السلطة ولا اهتدت لطريقة فعالة لحجبه.

وقد رأى "فوكو" وغيره ممَن مارسوا تفكيك أساليب الهيمنة الحديثة أن المعرفة هي إحدى أهم أدوات الهيمنة. وكتب "فوكو" عن "المعرفة والسلطة"، كما كتب الكواكبي عن "العلم والاستبداد"، وفي هذا دليل على أن احتكار المعلومة والمعرفة أخطر من احتكار أي شيء آخر.

نملك الشارع والمعرفة والمعلومة، فلم العجلة في تلقف قنابل السلطة الصوتية الفارغة؟ نقف على أرضية صلبة متماسكة، فلم الاندفاع والعجلة؟ ولنتذكر أن التحولات الكبرى في حياة الأمم والشعوب لا تحدث دفعة واحدة، كما لو أنها طفرة، أو خط مستقيم لا انحناء فيه ولا اعوجاج، وليس لها دليل عملي إرشادات، ولا خريطة طريق مسبقة، وتحتاج لزمن قد يطول قبل أن تستقر نتائجها على أرض الواقع، والصواب الجماعي فيها يعصم من الزلل والاضطراب والاهتزاز.

قراءة 187 مرات آخر تعديل في الأحد, 22 ديسمبر 2019 20:27