الأربعاء, 25 ديسمبر 2019 12:09

موسم صناعة الأصنام البشرية ومباركة العاكفين عليها؟ مميز

كتب بواسطة :

في غمرة تدفق المشاعر واجتياح العواطف، وذهول العقل، ربما يقلَ الهاربون من "الصنمية"، فنحن دومًا أبناء ما جرينا عليه، ونخاف من الجرأة والشجاعة الفكرية وإعمال العقل الواعي والتقدير المستوعب فيما نحتاج إليه، والدروب التي لم تُعبّد ولم تُسلك يهزأ المنساقون من سالكيها. والمنساقون، من كل الأطياف والأصناف والتوجهات، يقدرونك غاية التقدير يوم لا تفاجئهم بشيء، هكذا اعتادوا وألفوا واصطلحوا، أن لا تغرد خارج سربهم، ويريدونك نسخة منهم، ويبتهجون بك يوم تسايرهم وتركب معهم الموجة، ويخشونك إن كنت واعيا، فالوعي مُرعب، يفزع منه المُقدَسون وصرعى الأعراف والتقاليد وضحايا المسايرة.

وحراس هذه الأطلال العاجزون جفت أفكارهم وتحجرت عقولهم، ولولا ذلك لما حرسوا الصنم من مغامري الأفكار والمغردين خارج السرب، وجريء وفذ من يحطم الأمن الفكري ويكسر هالة التقديس. يريد المنساقون من غيرهم أن يصنعوا صنيعهم، ويطلبونهم أن يقفوا على أرض ليروهم، ليسجلوا أسماءهم في مواكب المنساقين، فالتيار الجارف لا يُمهلك وقتا للتفكير ولا حتى لحظة للتأمل، هيَا اركب معنا ولا تكن من المغضوب عليهم في زمن فورة "الوطنجية" والنافخين في نيرانها.

لكنه يأبى، ويدرك أنهم ما عادوا يقوون على السباحة عكس التيار، وليس إلا من صنع الأوهام والأعراف والموروث، وتنكره الحقائق وينبذه الأسوياء، ولا أقدامهم تحتمل السير في طريق تحطيم الأصنام، لكنهم يريدونك أن تعطل عقلك وحواسك وتدس رأسك في رمال السراب، وتتبعهم..

يقولون هذا العرف والواجب، لكن أيَ واجب؟ ومن أوجبه؟ أليس الواجب أن نكسر الأصنام؟ أليس هذا متفقا عليه ومما يستوجبه التوجيه ويقتضيه، أم لعلكم تقصدون الأصنام الصغيرة من الطين والحجر، وفقط؟؟ أم إنكم اشتغلتم بكسر الأصنام الصغيرة السهلة، ولا ترون في الأصنام إلا من حجارة؟

أوليس الأكابر الأفذاذ العباقرة قد فهموا أن الصنم فكرة فهدموها قبل الحجارة، وأتى من بعدهم من عصور الانحطاط، سارعوا إلى كسر الحجارة وأبقوا على صنم الفكرة والشخص. سلفنا هدموا الأصنام الأخطر، فنجحوا وسادوا، وهدمنا الأصنام الأسهل، لنقدس الأخطر منها، وننساق وراء صيحاتهم ومواكبهم، ونبارك العاكفين على أصنام لهم.

ونقرأ سير الشجعان الأوائل الذي استطاعوا أن يحملوا المعاول ويهدموا خرائب الأصنام في قلوبهم وعقولهم، ولكن ننحت في كل مرة صنما جديدا، ليس من حجارة وطين، فهذا تطهرنا من رجسه، ولكن من فكرة ورمز، نرفعه ونملأ عقولنا المتحجرة بخياله.

وحتى هؤلاء الذين حطموا أصنام مكة، كان همهم قهر الأصنام في القلوب والعقول، في فارس والروم وخراسان والهند وأفريقيا والصين وأوروبا، كانوا يشتاقون أن يكونوا كالمحطمين الأول.

ومطلوب منا اليوم أن نساير الموجة لا أن نفارقها، فالمفارق لها مطعون في مشاعره ووطنيته وآدميته؟؟ وحتى داخل الموجة ينحتون صنما جديدا، هذا دأبهم وسنتهم (ينتبه له الواعون المفارقون لصنيعهم)، يحتفون به، لا يقدرون على العيش بغير صنم، توهموه أو أُشربوه في عقولهم وقلوبهم، والأسوياء يشتغلون بكسر صنم الفكرة والشخص والتقديس في رحلة طويلة قادها عظماء وأكابر ومجددون.

قراءة 201 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 25 ديسمبر 2019 12:14