السبت, 28 ديسمبر 2019 10:12

وجهة نظر: لا للحوار، نعم لـ"وثيقة المطالب" مميز

كتب بواسطة : عبد الله كمال / صحفي ومدون

ملاحظة "الأمة": (المقالات التي تنشر في ركن "آراء" تعبر عن رأي صاحبها وكاتبها ولا تعكس رأي الصحيفة).

قبل أن أبدأ، هنالك توضيحات ضروريّة ينبغي الإشارة إليها:

أ)- هذا النقد الذي قد يكون قاسيًا يأتي من داخل معسكر الحراك وليس من خارجه. فأنا من المشاركين في الحراك منذ يومه الأول ولم أتراجع عن انخراطي فيه يومًا ومازالت أعتبره لحظة تاريخية فارقة قد لا تتكرّر وبالتالي علينا استغلالها قبل فوات الأوان.

ب)- كل ما أقوله يبقى مجرّد رأي لشخص مشارك في الحراك، لا يدّعي احتكار الحقيقة ولا يخوّن من يعارضون رأيه، والمعطيات التي سأقولها لا تدخل في سياق تثبيط العزائم أو الإرجاف، بل هو تحليل أتحرّى فيه الموضوعية قدر المستطاع، وقد أصيب وأخطئ.

قبل طرح أيّ تصوّر للحلّ، أو مخرج للوضعيّة الحاليّة علينا أوّلًا تحليل وضعيّة الحراك الحالية والمرحلة السابقة بموضوعيّة وبدون أي مبالغة أو تزييف أو بيع للوهم، خصوصًا أن المثقّف أو الكاتب لديه القدرة على قلب الحقائق في الأذهان من خلال المبالغات واللاموضوعية، وقد ابتُلينا في الحراك بعبارات لا علاقة لها بالواقع من قبيل "أكبر جمعة منذ بداية الحراك" واقتراب سقوط النظام وغيرها، وقد يكون المتحدّث أحد من وقعوا في هذه الخطيئة أيضًا.

1- الحراك استنفذ كلّ أوراقه التي يمكن أن يلعبها، ونزل بكلّ قوّته في الأسابيع القليلة التي سبقت انتخابات 12 ديسمبر، وذلك من خلال جمعة 1 نوفمبر التي شهدت مشاركة مليونية في العاصمة أين تنقّل الحراكيون من 48 ولاية للمشاركة في ذكرى الثورة، ثم شهد الأسبوع الذي سبق الانتخابات مسيرات حراكيّة يومية وأُخرى ليليّة، بالإضافة إلى إضراب عام في العديد من الولايات والمناطق، أما في يوم الانتخابات، فقد عرفت البلاد في أغلب ولاياتها مظاهرات حاشدة رافضة للانتخابات، وحدثت حتّى اقتحامات لمكاتب الانتخاب في ولايات بجاية وتيزي وزو وجزئيًا في بويرة وبومرداس، أما الجمعة التي تلت الانتخابات الرئاسية فقد عرفت مشاركة كبيرة أيضًا.

2- من وجهة نظري فإن الحراك استخدم كلّ أوراق الضغط الممكنة، ورغم أنه من المتوقّع أن لا ينجح في الحراك في إيقاف الانتخابات الرئاسية، خصوصًا وأن العسكر قد ضغط بكلّ ثقله من أجل تمريرها وبالتالي استحالة أن يوقف الحراك الانتخابات إلا من خلال اقتحام المكاتب في كل الولايات، وهو الأمر الخطير الذي نحمد الله على عدم حدوثه لأنه كان سيعني انجرار البلاد إلى العنف.

3- إلاّ أن الفشل الذي وقع فيه الحراك ليس في إيقاف الانتخابات، بل في فشله في التسويق لفكرة مُقاطعة الانتخابات في صفوف الشعب. فرغم التضخيم الذي لا شكّ فيه في نسب المشاركين في الانتخابات، إلاّ أنّه لا يمكن إنكار أن أعدادًا معتبرة شاركت الانتخابات، ولا نتحدّث هنا عن "شبكات النظام" من أحزاب الأرندي والأفلان فقط، هذا تزييف للواقع وتعامي عن حقيقة أن هنالك كتلة حقيقية قد شاركت في الانتخابات، سمّهم ما شئت، مغيّبون أو يريدون الاستقرار أو ناقصو وعي أو حتى خونة، المهم ألاّ تدفن رأسك في التراب وتدّعي عدم وجودهم أصلا، لأن إنكار الوقائع والحقائق هو تزييف للأذهان.

4- الحراك رغم أهدافه النبيلة التي لا يختلف حولها عاقل، إلاّ أنه فشل في التسويق لأفكاره، فبقي منحصرًا في الكتلة الشعبية التي انطلقت في 22 فبراير وبلغت ذروتها في مارس، لكن هذه الكتلة الشعبية الضخمة بقيت تتآكل شيئًا فشيئًا منذ مارس إلى الآن، وبدل أن يتبنّى الحراك استراتيجية من أجل توسيع قاعدة مؤيّديه، بقي يستخدم التكتيك الواحد والأوحد المتمثّل في المسيرات الأسبوعية والنصف أسبوعية وهو ما يقودنا إلى النقطة التالية.

5- الجميع يجيدون التظاهر! العاقل والجاهل والمتعلّم والأستاذ الجامعي والإعلامي، وهو ما يمارسه الحراكيون منذ 10 شهور بالفعل، وليس مطلوبًا من الفئات الشعبية الواسعة التي تخرج في الحراك أن تفعل أكثر من هذا، لكن ما الفرق إذن بين من يُسمّون النخبة وبين غيرهم إذا كان كلّ ما يفعلونه هو المشي مثلهم مثل عموم الشعب؟ أين العمل السياسي والفكري والاستراتيجيات المستقبلية؟ أين التنسيق بين النشطاء في مختلف الولايات؟ أين الاجتماعات والحوارات والمؤتمرات التي تناقش واقع الحراك وآخر مستجدّاته؟؟ أين النواة التي تقود الحراك وترسم معالمه ومطالبه وتتبرّأ من أي انحراف أو شعار خارج مطالبه الجامعة؟

لقد بقيت بعض الأصوات رهينة فكرة أنه "لا يمكن تأطير الحراك أو تمثيله"، واتخذتها كما لو أنها وحي منزّه أو مُسلّمة لا يمكن نقاشها أو الاعتراض عليها.

6- بدل تشكيل جبهة من الشخصيات التي لها صوت مسموع داخل الحراك، والعمل الجماعي من أجل توحيد الجهود وتظافرها، وخلق نواة تمثيلية وتشاورية للحراك، بقي من يسمّون بـ"النخبة" أو "الشخصيات الوطنية" يعملون كلّ بمفرده، سواء من أجل المجد الشخصي أو خوفًا من المتابعة الأمنية أو تحضيرًا لاستحقاق انتخابي قادم (والله أعلم بالنوايا).

المهم أنّهم اكتفوا بالظهور الإعلامي، أو نشر مقاطع الفيديو وهم مُحاطون بجحافل المنبهرين بهم في ساحات الحراك، أو نشر تصريحاتهم النارية في المحطات الفضائية، واختفى تمامًا العمل الجماعي والتواصل والتشاور بين الشخصيات لتشكيل جبهة مُقاوِمة ضد النظام. إنه حراك شعبي عبقري نبيل المطالب، عماده البسطاء المستعدّون للتضحية من أجله ولو تطلّب الأمر التظاهر لسنوات طويلة، خانته نخبة عاجزة عن التفكير خارج الصندوق أو العمل الجماعي فيما بينها لتطوير الحراك ودعمه وتوجيهه كما ينبغي.

7- رأيي أن الحراك بشكله الذي نعرفه قد انتهى. مطلب رحيل بوتفليقة كان منطقيا ومشروعًا وموضوعيًا في وقته، نظرًا لتوازن القوى بين السلطة والحراك، إذ كانت الكفة تميل بلا أدنى شك لصالح الحراك، بالإضافة إلى الظروف الداخلية والخارجية، وكذلك بالنسبة لمطالب رحيل الباءات الذي استمرّ من شهر أبريل إلى شهر سبتمبر، وحتى مطلب إلغاء الانتخابات الذي استمرّ منذ شهر سبتمبر إلى شهر ديسمبر كان يحظى بمشروعية كبيرة خصوصًا بعد بروز الأرانب الخمسة، لكن مطلب "رحيل تبّون" حاليًا، ونظرًا لعامل توازن القوى، هو مطلب غير معقول بالنسبة لقطاعات شعبيّة واسعة.

8- الحراك توقّف عن كونه يمثّل أغلبية شعبيّة ساحقة منذ استقالة بوتفليقة في أبريل على الأقل، ومنذ ذلك الوقت وهو يخسر شعبيّته شيئًا فشيئًا. علينا أن نفهم ونعترف بأننا فعلا "شرذمة قليلون" كما قال القايد ولسنا أغلبية، ولا نحتاج أصلا لنكون أغلبية لنحظى بالمشروعية، فمشروعية الحراك تأتي من كونه يدافع عن مبادئ شرعية جامعة كالعدل والحرية والسيادة الوطنية، وليس بحجم التأييد الشعبي له الذي يرتفع وينخفض بحسب الأحداث والمجريات السياسية.

9- تطوّر داخل الحراك حالة من التهجّم ضدّ أي شخص يطالب بمراجعات أو إعادة النظر في التكتيكات أو تصحيح الاستراتيجيّة، واتهامات بالخيانة والعمالة أو الردّة، ولعلّ أحد مؤشراتها ما حدث مع سيف الإسلام بن عطية، والذي يمكن أن نتفق أو نختلف مع وجهة نظره، لكن حجم الانقلاب عليه والتهجّم عليه لمجرّد إدلائه برأيه هو مؤشر على جوّ غير صحي في معسكر الحراك.

10- بسبب كلّ ما ذُكر فوق فإنه من المؤكد بالنسبة لي، إذا لم تتدارك النُخبة الوضع، فإن أعداد الحراك ستبدأ في التناقص شيئًا فشيئًا إلى أن يتحوّل إلى مجموعة بسيطة من المناضلين والنشطاء فقط، والذين لن يسبّبوا أي إزعاج للسلطة حتى ولو واصلوا التظاهر إلى سنوات طويلة، هذا إذا لم تقمعهم السلطة بسبب صغر عددهم، وهو ما تنتظره السلطة بالفعل، وبدأت المؤشرات عليه في الولايات الداخلية، وبالتالي نكون قد ضيّعنا فُرصة تاريخية ذهبية لتحقيق الانتقال الديمقراطي، وستلعننا الأجيال القادمة على تضييعنا الفرصة بسبب غبائنا السياسي وعدم قراءة المشهد بشكل صحيح أو عدم التكيّف مع المستجدّات لتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه.

11- قد تحدث بالفعل موجة ثانية أقوى من الحراك بعد أشهر، وهو ما أرجّحه فعلا، بسبب التناقضات في رأس السلطة بفعل الاضطرابات الاجتماعية وبفعل الأزمة لاقتصادية الخانقة، لكن الموجة الثانية للحراك قد تكون مرعبة سواء للسلطة أو للشعب على حدّ سواء، فلا يوجد ما يضمن أنها ستكون بنفس السلمية والعقلانية مثل الموجة الأولى، خصوصًا أن خزائن الدولة ستكون فارغة وستعجز عن التفاوض مع شارع غاضب عدميّ، وقد تترّحم السلطة على حراك 22 فيفري وعلى تضييعها فرصة الحوار مع شخصيات عاقلة ومطالب قابلة للتحقيق. وقد بدأت بذور العنف والغوغائية والانقسام تظهر أمام أعيننا من خلال الاعتداءات على الحراكيين من قبل السفهاء التابعين للنظام.

12- لكن مسؤولية النخبة ليست في أن تنتظر غرق النظام أو انفجار الشارع مجدّدًا بطريقة قد لا تخلو من العنف والغوغائية، وقد تؤدّي إلى غرقنا جميعًا في الفوضى، بل عليها أن تعمل على ألاّ يغرق النظام ويُغرق البلاد معه، وبالتالي فإن عليها الاجتهاد بالمقترحات وطرق الحلّ بشكل دائم، سواء استجابت السلطة أم لم تستجب، على الأقل حتى تُقيم الحُجّة وتُخلي مسؤوليتها أمام الله وأمام الأجيال القادمة، وتبقى المسؤولية التاريخية على عاتق السُلطة وحدها.

ما العمل؟

أولًا، من أجل أن نعرف الحلول الواقعية التي يمكنها المساهمة في حلحلة الأوضاع، علينا أولا استبعاد الحلول المزيّفة، وهنا أقصد "الحوار". الحوار بين السلطة والحراك بالنسبة لي أمر مستحيل، وإذا وقع الحوار فسيكون شكليًّا فقط، لأن الحراك لن يُفرز ممثلين ولو بقي ألف سنة، وكل محاولة لبروز ممثلين يتحاورون مع السلطة باسم الحراك، سيخرج جزء لا بأس به من الحراك ليتهمهم بالخيانة والعمالة وبأنهم لا يمثلون إلا أنفسهم، بالإضافة إلى جدل "الاعتراف بشرعية السلطة".

ثانيًا، فإن السلطة حاليًا مُنتشية بالانتصار الساحق -حسب وجهة نظرها- بالنظر إلى نجاحها في تمرير الانتخابات، وزد عليها جنازة القائد الأركان التي كانت عاملاً رئيسيًا في تجميع فئات مؤيدة للسلطة وتشكيل "حراك موازٍ" باستغلال عاطفة البسطاء. وبالتالي، فإن السلطة المنتشية بهذا النصر، لن تجلس على طاولة الحوار من أجل التنازل، بل ستنظر إلى الحراك باعتباره منهزمًا وستعمل على فرض شروطها وإملاءاتها عليه، وهذا ما لا يقبله عاقل.

إذن ما العمل؟ بدلاً من الحوار مع السلطة، أقترح أن نسلّم السلطة "وثيقة مطالب" دون أيّ حوار، فإن أرادت الإصلاح فعلاً والاستجابة للحراك كما قال تبّون في خطابه فعليها تطبيق بنود المطالب. ما أقترحه هو ندوة وطنيّة جامعة لكلّ الأصوات التي لها قبول داخل الحراك من جميع جهات الوطن، على غرار سانت جيديو، لكن بدل الشخصيات الحزبية، ينبغي أن يشارك في الندوة الناشطون والشخصيات المعروفون بوجودهم على أرض الميدان في الحراك الشعبي منذ بدايته (وعدم الاعتماد بالمناسبة على الوجوه التي تصعّدها الفضائيات بالضرورة، ولا أستبعداها لمجرّد ظهورها في الإعلام أيضًا)، وليصل عدد هذه الشخصيات إلى 100 لو تطلّب الأمر، يجتمعون من أجل هدف واحد وأوحد حتى لا تتشتّت المجهودات وندخل في النقاشات والحوارات العقيمة. الهدف الوحيد من الندوة هو الخروج بـ"وثيقة المطالب" أو "وثيقة الحل".

وتتكوّن الوثيقة من مجموعة مطالب من شأنها تحقيق الحدّ الأدنى من الإصلاحات التي تتّسم بصفتيْن: قابلية التحقيق + تضمن تغييرًا حقيقيًا في النظام.

ما الفائدة من هذه "الوثيقة"؟ ألم تطرح العديد من الوثائق سابقا؟ هذه الوثيقة هدفها بسيط، أن تجيب على سؤال: ماهي مطالب الحراك؟ الحراك الآن متفق على تغيير النظام ومختلف حول الطريقة والتفاصيل، هناك من هو مع الحوار وهناك من هو ضده وهناك من هو مع الحوار بشروط. أهمية هذه الوثيقة هي توحيد مطالب الحراك ووضعها في بنود واضحة وواقعية لا لبس فيها.

*** بعد أن تتّفق الشخصيات على قائمة المطالب هذه، تُنشر الوثيقة في الإعلام ليتسنى لكلّ من الشعب والسلطة مطالعتها، ثم تعمل الشخصيات من خلال الإعلام والتواجد على الأرض، على التسويق لهذه الوثيقة وإقناع المشاركين في الحراك بها، وتُصبح مُلزمة للسلطة، إن هي أرادت الإصلاح فعلاً.

بالتأكيد، فنحن لا نعيش في عالم مثالي تتبنى فيه السلطة هذه الوثيقة مباشرة، وهو ليس المطلوب أصلاً، بل أغلب الظن أنها ستتجاهل هذه المبادرة مثلما تجاهلت عشرات المبادرات التي سبقتها، لكن الغرض من الوثيقة نفسها، أن تكون هي الإجابة على السؤال "وما الحل؟؟" و"ماهي مطالب الحراك الآن؟؟"، ستكون الإجابة حينها هي: "وثيقة المطالب". لا للحوار، نعم لـ"وثيقة المطالب".

 

قراءة 248 مرات آخر تعديل في السبت, 28 ديسمبر 2019 20:53