السبت, 28 ديسمبر 2019 23:36

لن نكسب بالمبادرات ما لم ننتزعه بقوة الضغط والشارع مميز

كتب بواسطة :

مقال أخي الكاتب العزيز الصحفي "عبد الله كمال"، بعنوان: لا للحوار، نعم لـ"وثيقة المطالب"، أتفق معه في بعض ما ذهب إليه واستنتجه، ورأيه وجيه في مسائل أثارها، ويقول به كثيرون داخل الحراك ..ولن أخوض في التفاصيل، لكن أكتفي ببعض الاعتراض على ملاحظات أشار إليها في ثنايا مقاله، دون نقاش موسع، فقد لا يكون مناسبا حاليَا:

الحراك تجربة ثرية، بعقل واع وبلا رأس، ولا تمثيل مع قدر من التنسيق الميداني..يُنضج موقفه باستمرار، راكم قدرا من الوعي واتضحت رؤيته مع مرور الوقت والأسابيع. فلم يولد ناضجا مُكتمل الرؤية مُسدَدا، وانسحب منه كثيرون بعد محطات معينة، ضاق صدره أحيانا واندفع في مواقف ما كان له أن يتسرع فيها، وهذا ما عاد يخفى ولا دسَه وتنكر له، بل أُثير داخل الحراك كثيرا، وما تسمعه من نقد في نقاشات الحراك المفتوحة لا تكاد تصدق ما تسمع وما ترى، وقد لا تجد له أثرا في غيره.

والزَعم بأن الحراك بلا فكرة مُلهمة مُحفزة، الآن، مما يضعفه ويُفقده الزخم والجاذبية، وجهة نظر غير دقيقة، أكبر قضية تصدى لها الحراك وأعلن عنها في كل جمعه، الشرعية، وهذه أم القضايا والمعارك، ليست (القضية) بنت اليوم ولا هي من اختراع الحراك، بل تمتد إلى ما قبل الاستقلال، وهي مركز العطب في كل البلاد العربية، تقريبا. وأدت الأنظمة قضية الشرعية بتضخيم المخاوف والأخطار وغمرتها بالهواجس وسياسة الإلهاء والتغطية..لكنها كانت حاضرة، في أكثر الأحيان، بقوة في كل نقاش سياسي جاد وحركة تغيير إصلاحية..

العهدة الخامسة وما بعدها صحيح أنها كانت الجامع الأكبر للملايين الذين خرجوا في الأسابيع الأولى من الحراك الشعبي، لكن أصلها وجوهرها معضلة الشرعية..

ما ميَز الحراك الشعبي الطويل المستمر تمسكه القوي بمطلب الشرعية الشعبية، كل ما فعلته السلطة الفعلية كان محاولة التخلص من هذه العُقدة أو على الأقل تخطيها، بما يوهم أنها تحظى بقدر من الشرعية، حتى وإن كان مطعونا فيها، شعبيا، لكن بما يمكَنها من لملمة هذه القضية وتجاوزها، وهذا فشلت فيه..لا تعيين الرئيس بانتخاب هزيل ولا تغيير أسماء، ولا الإيهام بمحاربة الفساد، ولا سجن عديد من رموز العهد البوتفليقي، أثَر أو أضعف مطلب الشرعية، بل على العكس من ذلك، تضخُم "العسكرة" وإضعاف "الرئاسة" وتنصيب واجهة مدنية هشة، عزز هذه القضية لتتصدر المشهد السياسي..

لم يظهر من السلطة الفعلية، حتى الآن، أي تصرف عاقل متزن مرن يخفف التوتر والاحتقان، ولا أبدت استعدادا جادا أو إرادة سياسية حقيقية لتدارك الوضع وإعادة النظر في النهج المُتَبع، بل عاندت وكابرت وأغلقت الأبواب وانغلقت في أسوارها.. لن تبادر السلطة الفعلية إلى أي خطوة جادة حقيقية لا موهمة ما لم تُرغم على ذلك، أن تُلجأ وتُضطر لبعض التنازل التدريجي، ولن يحدث أي تغيير من داخل الحكم ما لم يُفرض عليه التغيير..وهذا وعاه الحراك مُبكَرا..

وسواء أمنحته (الحكم) فرصة أم انتظرته أم عرضت عليه مبادرة أم ألححت عليه بالحوار، لن يغير هذا من سلوك السلطة الفعلية، لأنها ترى الحكم شأنا خاصا دولة بين أهل الولاء والثقة من داخل الدائرة نفسها، حتى وإن تظاهرت بالانفتاح أو أظهرت قدرا من المرونة في استبدال الواجهة، فلن يكون القرار إلا بيد قلة متغلبة مسيطرة، واستمرار الضغط السياسي والشعبي قد يربكهم أكثر ويدفعهم لإعادة النظر في نهجهم وخطهم وسياساتهم، ومن غير قوة الضغط الدافعة، فلن يُلجأوا إلى هذا مُرغمين.

تحوَل الحراك الثوري السلمي الضاغط إلى حركة مطلبية تقودها أو تتصدرها "النخبة"، هذا يفقده (أي الحراك) زخمه وتميزه ويضعف قوة تأثيره ويُذهب ريحه، لأن القضية أكبر من مطالب ومبادرات ولجان وإبراء الذمة، فهذا من الخلاص الفردي، والتحرك الظرفي العابر. لكن أنَى له أن يستمر بلا مبادرة سياسية؟ وهل غابت المبادرات أصلا؟ منطق الحراك السياسي أن لا استجداء ولا تسول..

وأكثر صنيع السلطة الفعلية، حتى الآن، موجه لإنقاذ حكمها وشراء الوقت وفرض الأمر الواقع، لم تقدم ولو تنازلا واحدا، بل لا ترى خيارا سوى إنهاء الحراك وإنهاكه، فماذا تنقع المبادرات ووثيقة المطالب، وما قيمتها أصلا.. بالضغط الشعبي والسياسي وحده والصمود والتعبئة المستمرة قد تُفتح ثغرات في منطق السلطة وانغلاقها، المبادرات والمطالب الآن بلا معنى ولا قيمة سياسية، لأن عقل السلطة، الآن، منشغل بتشديد الخناق على الحراك وتفجيره من داخله وإنهائه بأي طريقة، تريد إخضاعه، وحتى المحاولات والاتصالات بناشطين سياسيين داخل السجن وخارجه إنما تبحث عن مخرج وصفقة وصيغة لإنهاء الحراك، كأنما لسان حالها يقول: أوقفوا الحراك وبعدها نتفاهم ونعمل على تسوية النزاع؟؟ وماذا عن الضمانات؟ لا رئيس الدولة ولا غيره يمكن أن يقطع بشيء، لأن القرار الفعلي خارج دائرة الرئاسة، ثم من ذا الذي نأتمنه على وعد أو عهد؟

القضية الكبرى للحراك الآن لا هي مبادرات ولا وثيقة ولا تحرك "النخبة"، ولا أثر لها، وكثير منها لا يرى أنه معنيَ، أصلا، ولا هو متحمس لتحرك سياسي قوي مؤثر، فلم الدوران في حلقة مفرغة والتعويل على من لا يملك زمام أمره أو غلب عليه التردد والتوجس؟؟ ما نملكه الآن هو الضغط الشعبي والسياسي، هو الحراك الثائر، وقضيتنا، حاليَا، مرتبطة باستمراره وتدفقه ويقظته وصموده، وجميع الرهانات والصيغ والمسارات الأخرى أقرب إلى التوهم والأمانيَ..

لا يستطيع أن يتحمل أكثر؟ لا أدري عن هذا، لكن يبدو صامدا، إلى الآن، فلم التشويش عليه؟ ولم التهوين من أمره؟ ولم إثارة الزوابع، الآن، وهو يواجه حملة شرسة لإنهائه بأي طريقة؟ التوقيت أحيانا يهدم وإن كان من غير فصد، فالمعركة فقه زمان ومكان وحسن تدبير وتقدير، وأول السقوط أو الإنهاء إضعاف الحراك من داخله والتهوين من شأنه والتَسرع في حسم الرؤية والموقف.

من يتحرك بقناعة أن الحراك أوشك على الإنهاء، وأنه من الضروري الاستعداد لما بعده، هذا وأد لقضية الحراك وهي حية تسعى، وهؤلاء لا يرون غضاضة في الحوار بمنطق "المحاصصة" (الكوطات)، والقبول بسياسة الترضية والتهدئة مقابل فتات يغري بالانجذاب إلى ملعب السلطة ومسايرة منطقها، ومن يُفدم على هذا إنما يجرب المجرَب، ويسقط في فخ سبقه إليه سياسيون ومعارضون ادعوا الفهم والبصيرة والإلمام..وفي الأخير، ذابوا في الحكم وأصبحوا جزءا من محيطه.

ما نملكه، حقيقة لا توهما، هو الضغط والصمود والشارع، وإن أصابه بعض الوهن وافتقد قدرا من الجاذبية، لكنه يتقوى بثبات أهله، واستفزازات السلطة وحماقاتها..والمرونة في التصرف والتدبير دليل قوة وثقة بالنفس، لكن في بعض التحرك والسياسات، وأما الرؤية والمنطق السياسي والقناعة المبدئية وإدراك حقيقة المعركة، فالأصل التماسك والوضوح.

لن نكسب من التقديرات المهلهلة والمبادرات الباهتة ما لا نكسبه من ضغط الشارع، هذا وهم، ومن دون إغفال أننا نتصدى لأهم وأعقد قضية في العملية التغييرية: رفع وصاية سلطة العسكر عن الحكم، وفك الارتباط بين المدني والعسكري وكسر الهيمنة المتغلبة، وإن كان هذا يحصل تدريجيا، لكن بدايته ضغط شعلب ونفس طويل وعنق في الرؤية وإدراك مستوعب لحقيقة وطبيعة الصراع.

التحرك في خط المبادرات ووثيقة المطالب من دون تقوية الحراك وإسناده يميع القضية المركزية ويوهنها، لأن منطق السلطة في أي تحرك سياسي أو خطوة، الآن، تجاه الحراك، لن يكون خارج حدود "المحاصصة" (الكوطات)، المرسومة، هذا كل ما ترغب فيه السلطة حاليَا، وهذا لن يغير من الأمر شيئا، والقبول به إنهاء للحراك والضغط وتضييع لأقوى ما نملك في مواجهة السلطة الفعلية..

ما قدرنا عليه فعلناه ونفعله، والممكن المُتاح، رفعنا سقفه ووسَعنا حدوده، ونتحرك في عمقه..ولا نملك غير الحراك وصموده وتقويته وضغطه الشعبي، وإسناده وإنضاج عقله ورؤيته سياسيا بتكتلات ضاغطة من خارج الحراك، تعضده وتسنده..هل فعلنا الأفضل، ربما لا، لكن فعلنا الممكن، في زمان ومكان معينين، بسقف مرتفع لا واطئ وقوة دفع غيرت كثيرا من موازين القوى..ولا أضمن من الضغط ولا أكثر تأثيرا من الشارع..

وأتوقف هنا، فقد أطلت كثيرا..

قراءة 148 مرات آخر تعديل في الأحد, 29 ديسمبر 2019 06:39