الإثنين, 30 ديسمبر 2019 09:51

المناورة الأخيرة للرئيس تبّون مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

كل رئيس جديد يصل إلى السلطة، لابدّ عليه أن يتّخذ بعض الإجراءات الإصلاحيّة في بداياته ليثبّت أركان حكمه، هذه قاعدة معروفة تنطبق على الجزائر وغيرها من البلدان. في بداية عهد بوتفليقة، كان الرجل كثير الخطابات وكثير الزيارات الداخلية والخارجية وكثير التدشين للمشاريع، ولكن مع الوقت ظهر أنّ كل ذلك كان مجرّد واجهة بلا إصلاح حقيقي، وأنّ الفساد هو سيّد الموقف. حتى مبارك في مصر والقذافي في ليبيا كانت لهم العديد من القرارات الإصلاحية الشجاعة في بداياتهم ثمّ عادت الدولة إلى استبدادها وسلطويّتها وإلى "وضعها الطبيعي"، في الحقيقة من يستمع إلى خطابات القذّافي في شبابه وبدايات حكمه، سيندهش من قوّة الخطاب ومعرفة الرجل بخبايا اللعبة الدولية، لكنّه تحوّل مع الوقت إلى دكتاتور تُثير خطاباته الضحك على شاكلة "زنقة زنقة".

في بداية وصول أيّ رئيس إلى الرئاسة، فإنّه يُواجه بيئة عدائية من داخل الدولة، من الجيش والمخابرات والوزارات والمؤسسات والإدارة (الدولة العميقة) إذ تريد كلّها أن تُثبت وجودها وتنتزع قدرًا من الاستقلاليّة ولا تُذعن للرئيس الجديد بسهولة كما كانت تفعل مع الرئيس القديم، ولذلك يحتاج الرئيس وقتًا وجهدًا لتثبيت أركان حكمه، ويحتاج لتحالفات قويّة ليستقوي بها على المؤسسات ويستطيع أن يفرض نفسه عليها وينتزع صلاحياته منها، وقد يلجأ للتحالف مع الشعب للاستقواء على الدولة، لذلك يبادر بقرارات إصلاحية ذات شعبيّة.

يكاد يكون هامش المناورة المتاح للرئيس تبّون معدومًا، فالرجل وصل إلى السلطة بطريقة أقرب إلى الصدفة، وسط حراك شعبي مليوني رافض لمسرحية الانتخابات، وهنالك إجماع كبير في الداخل والخارج بأنّه صنيعة المؤسسة العسكرية، ولم يخرج أحد إلى الشوارع فرحًا بانتصاره، وبدأت الصحافة حملة تشويهه حتى قبل وصوله إلى الرئاسة من أجل "قصّ جناحيْه"، كما أنّه لا يملك ظهيرًا شعبيًّا أو حزبيًّا يمكن أن يستند إليه في صراعه مع أجهزة الدولة أو يستطيع أن يسوّق به القرارات غير الشعبيّة، التي سيضطرّ لا محالة لاتخاذها لمواجهة الأزمة الاقتصاديّة. إنّها مهمّة ملغّمة من كلّ جانب، لرئيس مُحاصر من جميع الجهات: سواء من الشارع الذي يرفضه، أو من أجهزة الدولة التي تنظر له بارتياب.

وسط هذه المُصيبة التي تورّط بها، لم يتبقَ للرئيس تبّون سوى مناورة أخيرة لإنقاذ رئاسته، إمّا أن تُصيب أو تخيب. لنكن واقعيين، تبّون وصل إلى أعلى منصب يمكن أن يحلم به أيّ سياسي في حياته، فليس الارتفاع في سلّم المناصب هو ما يشغل باله الآن، ولا الأموال التي لا أشكّ أنه راكم قدرًا لا بأس به منها طيلة مسيرته المهنية. ف

السؤال، إذن ماذا يريد الرئيس عبدالمجيد تبّون؟ لعله يريد ما يريده كلّ رئيس في العالم: الإرث، أن يترك إرثًا وبصمة في التاريخ. على تبّون أن يحرص على الإرث الذي سيتركه من بعده وكيف سيذكره التاريخ، ونظرة الأجيال القادمة لفترته الرئاسيّة محدودة.هل سيذكره التاريخ على أنّه مجرّد رئيس "ملأ الفراغ"، غادر المراديّة دون أيّ أثر، وشتمه الناس في الطرقات طوال فترة حكمه القصيرة؟ أم يريد أن يتذكّره التاريخ كشخصية استثنائيّة، حقّق الانتقال الديمقراطي الذي طال انتظاره، وأجرى إصلاحات عميقة على النظام السياسي، كانت مقدّمة لنهضة حضاريّة شاملة؟على تبّون أن يقف وقفة مع النفس ويختار موقعه من التاريخ، إن كان يريد أن يُذكر مع الشخصيّات التي وضعت بصمتها في تاريخ الجزائر كالأمير عبد القادر ومصالي الحاج وبن باديس ومفجّري الثورة، أم يرضى بأن يُذكر كما لو أنه ـمجرّد "بوتفليقة" بصحّة جيّدة، وأن عهدته كانت عُهدة خامسة من دون بوتفليقة، خصوصًا إذا سادت خلال رئاسته فوضى الاحتجاجات والإضرابات التي لا تنتهي.

في الثقافة الغربيّة، هنالك مصطلح "صفقة مع الشيطان"، وهي تعني باختصار صفقة يُقيمها الشخص مع ألدّ أعدائه، بحيث يبيع له روحه ويستسلم له بشكل مُطلق، مُقابل تحقيق الأمنية التي يبتغيها.

مناورة تبّون الوحيدة، التي من الممكن أن تُنقذ رئاسته من الهلاك الشامل وتُدخله التاريخ، هي في إجراء تحالف استراتيجي بينه وبين الحراك الشعبي، بحيث يحكُم من خلال ظهير شعبيّ ممثّل في الحراك ويستقوي به على مؤسسات الدولة العميقة وعلى المؤسسة العسكرية التي لن تتخلّى عن نفوذها أو تُذعن للرئيس الجديد بصورة تلقائيّة.لكن هذا التحالف "شبه المستحيل" مع حراك يُعيَر الرئيس كل أسبوع، لن يحدث بسهولة أبدًا، ومن غير المتخيّل أن يقدّم الحراك صكَا على بياض للرئيس الذي فُرض عليه، أو يعطيه فرصة لمجرّد أنه رئيس جديد، وفقط.إ

والاستجابة لمطالب الحراك هو تحدّي تبّون الأكبر، وهي الورشة الكبرى التي عليه أن يضع كلّ طاقاته وجهوده ويجنّد لها مستشاريه ومساعديه من أجل وضع إستراتيجية متكاملة، لإقرار إصلاحات جذرية وعميقة وربما مؤلمة، تؤدّي إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، وتعطي دلائل لا لُبس فيها على تغيّر عميق في تعامل السلطة مع الحراك، ورغبتها في تسليم السلطة للشعب.لن تكون هذه المناورة سهلة أبدًا، بل هي أقرب إلى الاستحالة منها إلى التحقّق لو كنّا واقعيين..

وكلّ المؤشّرات تؤكّد أن هذه الرؤية غائبة عن الرئيس الجديد، لكنها تبقى المناورة الوحيدة التي يمكن لتبّون من خلالها إنقاذ رئاسته وسمعته في كُتب التاريخ، بالإضافة إلى كونها العامل الرئيسي لتقوية الجبهة الداخلية التي تشهد انقسامًا قد يؤدّي إلى البلاد إلى ما لا تُحمد عُقباه. إذا نجح تبّون فعلًا في هذا الاختبار المستحيل، عندها سيستحقّ لقب "الفخامة"، وسيتحوّل من "رئيس بالإكراه" إلى "رائد الإصلاحات"..

ملاحظة "الأمة": (المقالات التي تنشر في ركن "آراء" تعبر عن رأي صاحبها وكاتبها ولا تعكس رأي الصحيفة. 

قراءة 390 مرات آخر تعديل في الإثنين, 30 ديسمبر 2019 12:53