طباعة هذه الصفحة
الأحد, 09 ماي 2021 15:22

لن نخسر معركة السلمية مميز

كتب بواسطة :

هذا ما كتبناه في بداية الحراك وأظنه اليوم ما زال صالحا، بل التذكير به أصبح حيويا أمام محاولات النفخ في بعض الخلافات وشحن أطراف المجتمع، وخاصة الأسلاك الأمنية، ضد الشعب المسالم الأعزل. الحراك الشعبي السلمي المبارك لم يخرج يوما ضد الدولة الجزائرية أو ضد سلك من أسلاكها، سواء الجيش أو الشرطة أو غيرها من أجهزة الدولة، بل ثار الشعب غضبا ضد النظام الفاسد وحفنة المتسلطين الظلمة الذين سلبوه حريته ومنعوه من ممارسة سيادته واستعملوا وسائل الدولة وأسلاكها ليتحكموا في رقاب الشعب ويعبثوا بالوطن وينشروا فيه الفساد والخراب والنهب والإفلاس.

وكان عقل الحراك الحضاري دائما يفرق بين النظام الفاسد والدولة، فقد كان هو من حافظ فعلا عن الدولة الجزائرية ومنع انهيار السقف على الجميع، وحرص على تماسك الوطن لما حاولت السلطة الفعلية لعب الورقات الحارقة، مثل الجهوية والعنصرية وشيطنة منطقة من مناطق الوطن، واليوم هاهو وعي الحراك يتصدى من جديد بذكاء كبير لمحاولة الدفع للاستقطاب الإيديولوجي وإلصاق الحراك بالإرهاب، ويجهض محاولة إرجاعنا لثنائية التسعينات وحكاية إنقاذ الوطن من "البعبع الإسلاموي".

ولم تُظهر السلطة، حتى الآن، أيَ قرينة ولو صغيرة توحي بإرادة سياسية حقيقية للتغيير، والذهاب إلى حوار جاد جامع، بل على العكس هاهي الآن تحاول تجديد الواجهة بالعودة إلى انتخابات "أحبَ من أحبَ وكره من كره"، و تسعى جاهدة لتغيير بوصلة الحراك وتحويل المعركة إلى عراك بين أفراد الشعب المغبون، أي بين قوات الشرطة والمتظاهرين السلميين، في محاولة يائسة لنقل الصراع إلى أبناء الشعب الواحد. وجهاز الشرطة شأنه شان العدالة أو الإعلام، وكل أجهزة الدولة، أصبح للأسف اليد الضاربة التي تقف حجرة عثرة ضد تحقيق حلم الشعب في التغيير وبناء دولة الحق والعدل والقانون، وتصرف بعض أفراد الشرطة مقزز ومشين ويستلزم أقصى العقوبات ويوجب الشجب والتنديد من طرف الجميع، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، وصنائع السوء ترتد على صاحبها، وسكوت الطبقة السياسة على فشوَ الظلم وحملات الاعتقالات والسحل في الطرقات وانتهاك كرامة المواطن، يُعتبر جريمة وسقوطا أخلاقيا.

ولكن، على الرغم من كل هذا، فالسلمية والعقل ومصلحة الحراك وحماية ثورتنا السلمية من أي انزلاق أو مآل سوء، تقتضي منا في هذه المرحلة الحرجة عدم السقوط في فخ الاستفزاز والتصعيد الكلامي والشعارات الجارحة والتعميم، فمعركتنا مع نظام القهر والتغلب، وأيَ تحريف لها عن مسارها أو إغراقها في معارك خاطئة إنما يخدم سلطة الاستبداد والطغيان.

فالحراك قوة دفع سلمية وضغط مستمر للذهاب تدريجيا وبطريقة سلسة إلى السيادة الشعبية في إطار توافقي للقطيعة النهائية مع نظام الفساد والاستبداد وبناء دولة العدل والحق والقانون الذي ضحى من أجلها شهداء نوفمبر رحمهم الله تعالى، وهذا لمنع أي تفكك لأجهزة الدولة وتصدع يُهدَد مؤسسة الدولة، والنظام بهذا الاندفاع الأمني الأهوج وتغييب العقل والمصلحة العليا للوطن إنما يدفع بالبلد إلى حافة الهاوية والانهيار، لا قدر الله، فالضغط يولد الانفجار حتى داخل الأجهزة الأمنية وهذا عواقبه وخيمة ومآله بالغ السوء، ثم إن الفراغ الرهيب الذي لا يُملأ إلا بالقبضة الأمنية المشددة ينذر بمخاطر، والفراغ مرعب ومفزع ويوحي بالتصحر والعناد والمكابرة والانغلاق، ولا يصرف بلدنا عن هذا المستقبل المظلم ومنع حدوث الأسوأ إلا إرادة حقيقية من السلطة في الاتجاه الصحيح بالانفتاح على مطالب الشعب الناهض وانتقال سياسي هادئ للحكم.

قراءة 205 مرات آخر تعديل في الأحد, 09 ماي 2021 15:39