الأربعاء, 08 جانفي 2020 21:46

"العبث" بالدساتير مميز

كتب بواسطة :

الادعاء بـأن الدستور قضية تقنية، وأنه من تخصص الأكاديميين والخبراء، أمر فيه تدليس ومغالطة كبرى. ‏الدستور حصيلة نقاش سياسي واسع وحوار اجتماعي جامع بمشاركة جميع المواطنين أو من يمثلهم وينوب عنهم. وهو نتيجة عقد اجتماعي يقوم على الرضى والتوافق يعبر عن عقيدة الأمة وقيم الشعب وهويته.

كما يوضع لتنظم العلاقة في المجتمع بين المواطنين، وبينهم وبين سلطات الدولة القائمة على الفصل بين السلطات والتوازن بينها، والمشاركة المجتمعية في صنع السياسات ومنع تغول السلطة.ومشاركة الشعب بكل أطيافه في صناعة الدستور وإقراره تجعل الدساتير في البلاد الديمقراطية تحظى بالاستقرار والثبات لفترات طويلة، تمتد ولا تُعدل أو تتبدل إلا مع حدوث تحولات كبرى.

والدول التي تحترم نفسها تحرص على البناء الدستوري، تحصن فيه هويتها وحقوق مواطنيها وكثيرا من مبادئها، وهذا حماية لها من عبث التجاذبات السياسية ومنافساتها المتقلبة.وهذا عكس ما يحدث عندنا من عبث، حيث أصبح لكل رئيس دستوره بل دساتير عديدة حسب أهواء ورغبات الحاكم المتسلط ونزواته، وتنسجم مع رغبات السلطة المتغلبة مع إغفال وإهدار للإرادة الشعبية  وتطلعاتها.

وقد بدأت عملية "العبث" بالدساتير مبكرا ومباشرة بعد الاستقلال البلاد، إذ وُلد أول دستور سنة 1963 في قاعة سينما، اجتمع ثلاثمائة عضو من حزب جبهة التحرير الوطني، تحت رعاية قيادة أركان الجيش، في قاعة السينما "ماجيستيك" (قاعة "الأطلس" الآن) بحي باب الوادي في الجزائر العاصمة، ليكتبوا أوّل دستور للجزائر المستقلة. وعُرض هذا الدستور على المجلس الوطني وصودق عليه بعد شهر.

وفي إثر هذه الفضيحة السياسية، قَدّم فرحات عبّاس، الذي كان يرأس المجلس الوطني، استقــــالته مرددا جملته الشهيرة: "الدستور ليس بغيا كي يُعهر في قاعة سينما"!..ومنذ ذلك الوقت صار اغتصاب الدساتير ممَا يتوارثه الحكم القهري ويتواصى به.

قراءة 370 مرات آخر تعديل في الخميس, 09 جانفي 2020 11:00