الأربعاء, 13 جانفي 2021 21:02

الديمقراطية لا تقتلع الدولة وإنما تجعل الشعب شريكا في القرار مميز

كتب بواسطة :

كل مؤسسات الدولة الحديثة تسعى إلى الهيمنة والسيطرة على أرضها وشعبها، وكل مؤسسات الدولة تعيد إنتاج نفسها، جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد الآخر. النظام الديمقراطي لا يقتلع الدولة، ولا يقوض قدرتها على السيطرة والتحكم. ما يقوم به النظام الديمقراطي، بدرجات متفاوتة من بلد وثقافة وسياق إلى آخر، هو "عقلنة" العلاقة بين الدولة وشعبها؛ بمعنى أنه يجعل الشعب شريكاً من القرار، ويوفر للشعب فرصة دورية لاختيار حر لممثليه السياسيين ومحاسبتهم، ولإدارتهم شؤون الدولة. بيد أن سمات الدولة، وعلاقة الدولة بالنظام الديمقراطي، ليست ذات طبيعة مصمتة أو ثابتة.

عندما يكون للدولة تاريخ طويل ومتصل، كما هو حال الدولة في بلدان مثل مصر وتركيا والجزائر وتونس، يصبح لهذه السمات ملامح وشروط خاصة بها، تطورت في السياق التاريخي الجغرافي الاجتماعي الخاص بهذه الدولة. مثلاً، تختلف دولة لم تتعرض لاحتلال أجنبي طويل، كما تركيا، في جوانب عدة، عن دولة لم تزل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمتروبول الإمبريالي، مثل تونس والجزائر. ولأن تركيا خاضت نضالاً طويلاً من أجل التحول الديمقراطي، امتد لأكثر من ستة عقود، منذ أول انتخابات تعددية في 1950، أصبح للفكرة الديمقراطية جذور عميقة في ثقافة البلاد السياسية، على الرغم من سلسلة الانقلابات العسكرية التي عانت منها البلاد وتبلور نخبة سياسية اجتماعية مسيطرة.

في ثورة يناير 2011، أطاح المصريون بنظام حكم استبدادي، ورموز الطبقة الحاكمة التي مثلت ذلك النظام وتحدثت باسمه. ولكن الثورة لم تمس مؤسسة الدولة المصرية الهائلة، مترامية الأطراف. كانت الثورة المصرية، مثلا، حدثاً سريعاً، ولم يكن ثمة حاجة لاصطدام كبير وملحمي بين قوى الثورة ومؤسسة الدولة. وكان من الضروري أن تبدأ، بالتالي، مباشرة بعد انتصار الثورة، عملية إصلاح شاملة لجهاز الدولة، وإخضاعها لإرادة الثورة. ولكن العملية لم تبدأ؛ أولاً، لأن البلاد اختارت إطاراً دستورياً، أو شبه دستوري، للمرحلة الانتقالية، ولم تنتهج طريقاً ثورياً. أما السبب الثاني، فيتعلق بتلاشي لحظة الوحدة والتوافق القصيرة بين القوى السياسية، وعودة الانقسام الحاد الذي شاب الساحة المصرية السياسية قبل اندلاع الثورة، وفي صورة أكثر تفاقماً هذه المرة.

الانقسام هو سمة الاجتماع السياسي العربي الإسلامي منذ منتصف القرن التاسع عشر، ولكنه في هذا السياق الخاص، سياق الدولة الحديثة ومعضلة إصلاحها وتطويعها، يحمل دلالة بالغة الأهمية. كل النخب العربية، إسلامية وغير إسلامية، سواء عرفت نفسها بالليبرالية أو القومية أو الوطنية، وليدة المناخ الذي صنعته الدولة الحديثة، بتعليمها وقضائها ودستورها وثقافتها وفنونها. ولكن علاقة هذه النخب بالدولة ليست من نمط واحد، ونظرة الدولة إلى هذه النخب ليست واحدة.

يحمل هذا الكيان الهائل، الذي نصفه بصورة تجريدية بالدولة، روحاً خاصة به، ويحتفظ بخطاب وتقاليد ومواريث خاصة، تؤسس معاً لشبكة بالغة التعقيد من المصالح. وليس من السهل لتيار سياسي غريب على مؤسسة الدولة، تيار اعتبر لعقود طوال خارجياً وهامشياً أو خصماً معادياً، أن ينتقل من الهامش إلى المتن، ويمسك بالتالي بمقاليد الدولة. والحقيقة، أن أي انتقال حدث في بلد عربي، حتى الآن، كان نظرياً وحسب، أو كان قانونياً، دستورياً، ولم يصبح فعلياً.

قراءة 235 مرات آخر تعديل في الجمعة, 15 جانفي 2021 11:25