الأربعاء, 20 أكتوير 2021 19:56

تأثير القوى الرقمية...هل يمكن أن ينتهي عصر هيمنة الدولة أخيرا؟ مميز

كتب بواسطة :

تغيرات مهمة في قوى التأثير العالمي، إذ يبدو أن شركات تكنلوجيا التواصل (القوى الرقمية) حلَت محل الدول والحكومات والجيوش، وقد لخصت مجلة "فورين آفيرز" الأمريكية، في عددها الأخير، هذا التحول بالقول: "كانت الدول هي الجهات الفاعلة الرئيسية في الشؤون العالمية لما يقرب من 400 عام، ولكن. بدأ هذا يتغير، حيث تنافسهم حفنة من شركات التكنولوجيا الكبيرة على النفوذ الجغرافي السياسي.

تُعدَ أحداث الشغب التي وقعت في 6 يناير (اقتحام مثيري الشغب مبنى الونغرس الأمريكي) بمثابة أحدث دليل على أن شركات أمازون، وآبل، وفيسبوك، وجوجل، وتويتر لم تعد مجرد شركات كبيرة، لقد سيطروا على جوانب المجتمع والاقتصاد والأمن القومي التي كانت لفترة طويلة حكرا حصريا على الدولة. وهو ما ينطبق على شركات التكنولوجيا الصينية، مثل Alibaba و ByteDanceوTencent، وتعمل الجهات الفاعلة غير الحكومية بشكل متزايد على تشكيل الجغرافيا السياسية ، مع وجود شركات التكنولوجيا في المقدمة. وعلى الرغم من أن أوروبا تريد اللعب، إلا أن شركاتها ليس لديها الحجم أو التأثير الجغرافي السياسي للتنافس مع نظرائها الأمريكيين والصينيين..".

فبعد أن اقتحم مثيرو الشغب مبنى الكابيتول الأمريكي في 6 يناير المنصرم، انطلقت بعض أقوى مؤسسات الولايات المتحدة للعمل لمعاقبة قادة التمرد الفاشل. لكنهم لم يكونوا هم الأشخاص الذين قد تتوقعهم. إذ علق فيسبوك وتويتر حسابات الرئيس دونالد ترامب بسبب منشورات تشيد بمثيري الشغب. وحظرت أمازون وآبل وجوجل بشكل فعال Parler، وهو بديل لتويتر استخدمه أنصار ترامب لتشجيع وتنسيق الهجوم ، من خلال منع وصولها إلى خدمات استضافة الويب ومتاجر التطبيقات. توقفت تطبيقات الخدمات المالية الرئيسية، مثل PayPal وStripe، عن معالجة المدفوعات لحملة ترامب وللحسابات التي مولت نفقات السفر إلى واشنطن العاصمة لأنصار ترامب.

وكتبت المجلة الأمريكية في عددها الأخير أن سرعة ردود فعل شركات التكنولوجيا تناقض التعامل الضعيف للمؤسسات الحاكمة في الولايات المتحدة، ليتبين أن شركات التكنولوجيا ليست مجرد أدوات في أيدي الحكومات. وتعمل هذه الشركات بشكل متزايد على تشكيل البيئة ولديها تأثير كبير على التقنيات والخدمات التي ستقود الثورة الصناعية القادمة، وتحدد كيفية إبراز الدول للقوة الاقتصادية والعسكرية، وتشكيل مستقبل العمل، وإعادة تعريف العقود الاجتماعية.

لكن هل سنعيش في عالم يتزايد فيه تأثير الإنترنت وتخدم شركات التكنولوجيا مصالح وأهداف الدول التي يقيمون فيها، أم ستنتزع شركات التكنولوجيا الكبرى بشكل حاسم السيطرة على الفضاء الرقمي من الحكومات، وتحرر نفسها من الحدود الوطنية وتبرز باعتبارها قوة عالمية حقا؟ أو هل يمكن أن ينتهي حقبة هيمنة الدولة أخيرًا، لتحل محلها نخبة تكنلوجية تتولى المسؤولية عن تقديم الخدمات العامة التي توفرها الحكومات في يوم من الأيام؟ لفهم كيف سينتهي الصراع على النفوذ الجغرافي السياسي بين شركات التكنولوجيا والحكومات، من المهم فهم طبيعة قوة هذه الشركات. إذ الأدوات الموجودة تحت تصرفهم فريدة من نوعها في الشؤون العالمية، وهذا هو السبب في أن الحكومات تجد صعوبة كبيرة في كبح جماحهم. وعلى الرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي تلعب فيها الشركات الخاصة دورا رئيسيا في الجغرافيا السياسية، إلا أنه لم يكن بوسع الشركات العملاقة السابقة أن تضاهي الحضور العالمي المنتشر لشركات التكنولوجيا اليوم.

وتتمتع أكبر شركات التكنولوجيا اليوم بميزتين هامتين سمحت لها بتكوين نفوذ جغرافي سياسي مستقل: أولا، لا يمارسون القوة حصريا في الفضاء المادي، وإنما أوجدا بُعدا جديدا في الجغرافيا السياسية، وهو ما يُعرف بـ" الفضاء الرقمي"، الذي يمارسون فيه تأثيرا أساسيا. ويعيش الناس حياتهم بشكل متزايد في هذه المنطقة الشاسعة، التي لا تسيطر عليها الحكومات بالكامل ولا تستطيع السيطرة عليها. والآثار المترتبة على هذه الحقيقة تؤثر على جميع جوانب الحياة المدنية والاقتصادية والخاصة تقريبا. ثانيا، الطريقة الثانية التي تختلف بها شركات التكنولوجيا هذه عن سابقاتها الهائلة هي أنها توفر بشكل متزايد مجموعة كاملة من المنتجات الرقمية والعالمية المطلوبة لإدارة مجتمع حديث.

وعلى الرغم من أن الشركات الخاصة لعبت دورًا طويلاً في توفير الاحتياجات الأساسية، من الطب إلى الطاقة، فإن الاقتصاد الذي يتحول بسرعة إلى الرقمنة اليوم يعتمد على مجموعة أكثر تعقيدًا من السلع والخدمات وتدفق المعلومات. وعلى الرغم من أن شركات التكنولوجيا لا تستطيع فصل نفسها عن الفضاء المادي، حيث تظل تحت رحمة الدول. وتخضع الشركات للقوانين الوطنية. ويمكن تغريمهم أو إخضاعهم لعقوبات أخرى، ويمكن حظر مواقعهم الإلكترونية، ويمكن اعتقال مديريهم التنفيذيين إذا خالفوا القواعد. إلا أنه مع ازدياد تعقيد التكنولوجيا، أصبحت الدول والمنظمون مقيدين بشكل متزايد بقوانين عفا عليها الزمن وقدرات محدودة، إذ الفضاء الرقمي ينمو باستمرار.

وهذا لا يعني أن المجتمعات تتجه نحو مستقبل يشهد زوال الدولة القومية ونهاية الحكومات وتفكك الحدود، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأن هذه التوقعات من المرجح أن تتحقق اليوم، لكن ببساطة لم يعد من الممكن الحديث عن شركات التكنولوجيا الكبرى باعتبارها بيادق يمكن أن يتحرك مراقبوها الحكوميون فيها على رقعة الشطرنج الجغرافية السياسية، فهم أصبحوا لاعبين مؤثرين، وقوتهم العابرة للحدود تزداد يوما بعد يوم.

قراءة 107 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 20 أكتوير 2021 20:03