الأربعاء, 22 ديسمبر 2021 11:37

معركة الليرة...أيَهما أصحَ: أدروغان أم الاقتصاديون؟ مميز

كتب بواسطة :

- حتى قبل أن تبدأ جائحة "كورونا" واختناقات سلسلة التوريد في إعاقة اقتصادات العالم منذ ما يقرب من عامين، كانت تركيا تحاول تجنب الركود حيث كانت تكافح ضد لديون الهائلة، والخسائر الفادحة في قيمة الليرة التركية، وارتفاع التضخم. لكن في الأسابيع الأخيرة، تسارعت حركة حطام القطار البطيء بقوة شديدة، ويحمل مراقبون مسؤولية هذا الانحدار للرئيس أردوغان، صانع الجمهورية الثانية التركية وباني نهضتها الجديدة.

- المشاكل الاقتصادية في تركيا لها جذور عميقة، لكن الأزمة الأخيرة كانت بسبب إصرار الرئيس أردوغان على خفض أسعار الفائدة في مواجهة التضخم المتسارع. ولطالما قاوم أردوغان، الذي حكم تركيا لمدة 18 عاما، الوصفة المؤلمة بشكل خاص (رفع أسعار الفائدة وهو ما يراه الاقتصاديون)، لكن يبدو أن تصميمه على الاستمرار في خفض أسعار الفائدة حتى مع ارتفاع معدل التضخم في البلاد إلى نسبة مذهلة تبلغ 21 في المائة ربما سرَع في انهيار العملة التركية.

- عادة، يتطلع المستثمرون وغيرهم إلى البنك المركزي للدولة لإبقاء التضخم تحت السيطرة وتحديد أسعار الفائدة. لكن أردوغان أظهر مرارا وتكرارا أنه إذا لم يفعل محافظو البنوك المركزية ووزراء المالية في تركيا ما يريد، فسوف يتخلص منهم، بعد أن طرد ثلاثة منهم بالفعل في غضون عامين.

- تراجعت قيمة الليرة في الأسابيع الأخيرة، ووصلت الاثنين الماضي إلى مستوى قياسي منخفض، بلغ 14.3 للدولار، من حوالي 7 ليرة للدولار في وقت سابق من هذا العام، مما دفع بعض الشركات والأسر التي اقترضت الأموال من الخارج إلى الإفلاس. والانخفاض الحاد في العملة يعني استمرار ارتفاع أسعار السلع المستوردة. النقص أمر شائع والناس يكافحون من أجل شراء الغذاء والوقود، معدل بطالة الشباب 25٪ شعبية الرئيس آخذة في التراجع وتشجع خصومه.

- مع الانتخابات المقبلة في غضون 18 شهرا، يبدو أن أردوغان مقتنع بأن إستراتيجيته ستمكّن الاقتصاد التركي من الخروج من مشاكله. ومع ذلك، يقول معظم الاقتصاديين إن الانهيار هو الأرجح. لقد نجحت استراتيجيات السيد أردوغان القوية المؤيدة للنمو من قبل. منذ أن بدأ حكم تركيا في عام 2003، تولى تنفيذ مشاريع بنية تحتية ضخمة وباهظة الثمن، وتودد للمستثمرين الأجانب وشجع الشركات والمستهلكين على تحمل الديون.

- اعتُبرت تركيا معجزة اقتصادية خلال العقد الأول من حكم أردوغان، تراجع الفقر إلى النصف وتضخمت صفوف الطبقة الوسطى بملايين من الناس، وكان المستثمرون الأجانب حريصين على الإقراض. لكن حرص الحكم في تركيا الحثيث على التوسع أصبح غير مستدام. وبدلا من التراجع، استمر الاقتراض المتهور.

- يبدو أن الاقتصاد التركي وقع، مؤخرا، في مأزق. جذبت أسعار الفائدة المرتفعة المستثمرين الأجانب لقبول المخاطرة والاستمرار في الإقراض، لكنها ستعيق النمو. كان أردوغان غير راغب في قبول هذه المقايضة، واستمر في دعم الاقتراض الرخيص مع انطلاق التضخم وانخفاض قيمة العملة. ويصرَ على أن أسعار الفائدة المرتفعة تُسبب التضخم. رفض أردوغان رفع الفائدة لأنه يعتقد أن سياساته الاقتصادية السابقة ستنجح مرة أخرى، وربما حكمه الطويل جعله يتصرف بثقة أكثر من اللزوم، ربما. واستمر أردوغان في الضغط على البنوك الحكومية لتقديم قروض رخيصة للأسر والشركات واستمر جنون الاقتراض.

- ومع الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة، يجادل أردوغان بأن المستهلكين سيكونون أكثر حرصا على مواصلة التسوق، وأن الشركات ستكون أكثر ميلا للاقتراض واستثمار الأموال في الاقتصاد وتوظيف العمال. ويقول إنه إذا فقدت الليرة قيمتها مقابل الدولار، فإن صادرات تركيا ستصبح أرخص وسيرغب المستهلكون الأجانب في شراء المزيد. وهذا صحيح إلى حد ما، لكنه يأتي بثمن باهظ. تعتمد تركيا اعتمادًا كبيرًا على الواردات مثل قطع غيار السيارات والأدوية، وكذلك الوقود والأسمدة والمواد الخام الأخرى، وعندما تنخفض قيمة الليرة ، تزداد تكلفة شراء هذه المنتجات.

- أدى التباطؤ الاقتصادي العالمي الناجم عن جائحة فيروس كورونا إلى زيادة الضغوط من خلال الحد من مبيعات البضائع التركية حول العالم. كما تضررت السياحة، التي كانت أحد أكثر القطاعات حيوية في تركيا. وفي الوقت نفسه، أثار ازدراء السيد أردوغان للنظرية الاقتصادية التقليدية مخاوف بعض المستثمرين الأجانب، الذين كانوا حريصين على إقراض الشركات التركية بمئات الملايين من الدولارات ولكنهم الآن يفقدون الثقة في العملة. وكلما انخفضت المعدلات، ارتفع معدل التضخم بشكل أسرع.

- عندما يتحدث أردوغان، تستمع الليرة التركية بشكل عام وترتجف وتمحدر إلى الهاوية. ولكن حدث شيء مختلف أمس، ففي مواجهة أزمة انهيار العملة، اتخذ زعيم تركيا خطوة مثيرة لإنقاذ الليرة في 20 ديسمبر، فبعد لحظات من انخفاض العملة إلى مستوى قياسي جديد، أعلن أن الحكومة ستضمن الودائع المصرفية بالليرة وتحميها من تقلبات سعر الصرف، لتنتعش الليرة بشكل مذهل في الأخبار، حيث انتقلت من 18.36 إلى 11.11 مقابل الدولار، وهو أكبر ارتفاع لها منذ ما يقرب من أربعة عقود، بما يصل إلى 65% من أدنى مستوى سجلته يوم الاثنين، لكن، حسب خبراء اقتصاديين، هذا لا يضمن السيطرة على بُرج التحكم النقدي.

- الاقتصاد التركي ليس قريبا من الخروج من الأزمة، ولكن على أقل تقدير، فإن الحل المؤقت الذي قدمه أردوغان، حاليَا، طمأن المستثمرين إلى أن رئيس تركيا يدرك الحاجة إلى إنقاذ الليرة. وجاء انهيار الليرة إلى حد كبير بسبب قرار أردوغان بخفض أسعار الفائدة بشكل حاد، بغض النظر عن التكلفة. ومع ذلك، فإن الخطة التي توصل إليها هي في الواقع زيادة غير مباشرة في أسعار الفائدة مرتبطة بالدولار. وحتى الآن، كان المودعون الأتراك هم من يتحملون مخاطر التقلبات الشديدة في سعر الصرف. من الآن فصاعدا، سيكون دافعو الضرائب الأتراك.

- يبدو أن خطة أردوغان هي الفوز في تلك الانتخابات، ويرجع الفضل في ذلك جزئيا إلى التحول الاقتصادي ، وهو جزء من "حربه للتحرر الاقتصادي" الأوسع نطاقا، ولهذا كرر موقفه الراسخ منذ فترة طويلة ضد أسعار الفائدة المرتفعة، التي يرى أنها تسبب التضخم (وجهة نظر تتعارض النظريات الاقتصادية السائدة).إنه يريد نموذجا اقتصاديا جديدا قائما على التصدير يعتمد على الائتمان الرخيص والعملة الرخيصة وتكاليف العمالة المنخفضة التي يقول إنها ستشهد تحول تركيا إلى مركز تصنيع على غرار الصين، أقرب بكثير إلى الأسواق الأوروبية.

- يتوقع الخبراء أن تسجل تركيا نموا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 9 في المائة هذا العام، من بين أعلى المعدلات في العالم، وأن الاقتصاد القائم على التصدير سيعزز، من الناحية النظرية، التدفق النقدي المستقبلي ويوفر وظائف جديدة، ويترجم ذلك إلى مكاسب للشركات، وبالتالي، احتمالات إعادة انتخاب أردوغان. ومع ذلك، فإن تزايد عدم المساواة يعد من بين العديد من المخاوف التي يتقاسمها المصنعون والتجار في الأناضول.

قراءة 236 مرات آخر تعديل في الخميس, 23 ديسمبر 2021 10:25