الأربعاء, 17 أوت 2022 14:26

لو كنت مكانك لاستقلتُ فورا !! مميز

كتب بواسطة :

ما أصعب العمل في المستشفى في شهر أوت وفي هذه الظروف المزرية: انقطاع الماء والمكيف والانترنت وإرادة العمل عند كثيرين.... وفوائد العطلة القصيرة تتبخر في سويعات بعد وجودك في المستشفى.. وعادت بي الذاكرة، وأنا في مكتبي، إلى صديقي د.جعفر رئيس مصلحة القلب في أحد المستشفيات الأوروبية المرموقة والنقاش الذي دار بيننا منذ عقود، وكنَا في مؤتمر طبي بباريس حول الوضع الصحي في الوطن، وقد وجه لي صديقي مجموعة من النصائح والانتقادات والملاحظات بصيغة: ''عليك بفعل كذا وكذا، ويجب تغيير هذا ولا يليق ذلك، ومن الناحية العلمية يجب هكذا، وفي نهاية الدردشة الطويلة تواعدنا في مستشفى مصطفى باشا مصلحة أمراض القلب.

ولم يتأخر صديقي الدكتور في مصلحة أمراض القلب والتزم بما وعد وزارني في المستشفى، وكنَا في عز الصيف، شهر أوت، واقترحت عليه أن يمضي معي اليوم كله، ويأخذ مكاني في تسيير المصلحة وهذا ليوم فقط، وبدأت مغامرة صديقنا مع ساعته الأولى بل قبل الدخول عند بوابة المستشفى، وقد جاء متأخرا قليلا فوجد ازدحاما هائلا عند الباب وبدأت أعصابه تتوتر، خاصة أنه لم يجد مكانا للسيارة...ثم توالت عليه المفاجآت والصدمات وهاله انقطاع الماء والكهرباء والإنترنت، وتزامن وجوده مع حادث وفاة أحد المرضى، وقامت عائلة المريض بكسر الباب الزجاجي للمصلحة وتهديد العمال بالسب والشتم، مما استدعى حضور الشرطة والقصة المعروفة دائما، وفي نهاية اليوم قال لي صديقنا مذهولا مصدوما: "يا زميلي لو كنت مكانك لقدمت استقالتي فورا...".

هكذا يا عزيزي، هناك فرق بين ما يجب فعله وما تستطيع فعله، وبين الأفكار المجردة الجميلة وسعة الخيال وبين التعامل مع الواقع كما هو لا كما يجب أن يكون، ومواجهة الصعاب ومحاولة ترويضها وتذليلها، فثمة مسافة بين القول والعمل وبين الواجب والممكن المتاح، فما أسهل رصَ الكلمات والتأمل الذهني، وما أصعب العمل وإدارة التدافع ومحاولة تغيير الواقع بما لا يتجاوز طاقة الإمكان، والممكن قد يضيق أحيانا ويتسع أخرى، ومن لم يتسلح بالنفس الطويل والصبر الجميل وانكب بحثا عن حلول عملية مُمكنة، فقد ينسحب سريعا، ويضيق صدره وعقله، وهذا أمره هين سهل وفي متناول الجميع، لكن من يقاوم ويحاول دفع الضرر الأكبر ويوازن بين القضايا ويجمع بين المبادئ والممكنات ويحقق وينجز ما يقدر عليه، هذا قلَ سالكوه...ومن يعش لأمته ووطنه فعليه الأخذ بالعزيمة والصبر حتى يقتحم العقبة.

قراءة 127 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 17 أوت 2022 20:32