الثلاثاء, 03 نوفمبر 2020 11:46

لا بُدَ ولا بُدَ....ثم ماذا؟! مميز

كتب بواسطة :

سيلٌ من "اللابدات" (لا بُد ولا بُد) ومن اللوازم (يلزمنا كذا وكذا)....نظريا لك أن تتحدث بما تراه وأن تنصح بواجب الوقت وما الذي ينبغي فعله، لكن على الأرض، الوضع مُعقد، وكل المبادرات السابقة فشلت أو وُلدت ميتة، مشكلتنا عميقة تتجاوز القدرة على الإنجاز إلى هذه "النخب" التي أبرزها أو برزت في الحراك، كلَ يريد أن يكون رأسا...ولله درَ الشجعان الذي استطاعوا أن يحملوا المعاول ويهدموا خرائب الأصنام في قلوبهم وعقولهم..

ما هو ممكن فعله قد يختلف عما يجب فعله، لكن ما يمكن إنجازه لا يصح أن نتأخر عنه، إلى أن تنضج الظروف لما هو أحسن، والبدء بالمُتيسر لما قد يتعسَر..الميدان تقدم على الفكرة، والفكرة أكثر ما هو مُتداول منها ممَا ينتمي إلى ما قبل 22 فبراير..

ومهمَ جدا أن ندرك أن قيمة الفكرة ليست في صحتها كما نظنها أو نراها، وفقط، ولكن أيضا في صحة تطبيقها وملاءمتها وتهذيب اندفاعها وعنفوانها..والفكرة قد تضر عندما لا تخضع لتجارب عقلانية، لأن الأفكار مهما كانت يُفسدها الإنسان بتفسيره وطريقة تعامله معها والعكوف عليها والوثوقية العالية بها...ويمكننا أن نصلح أفكارنا دائما عندما نقلل من تقديس الفكرة ورفعها فوق الإنسان وطاقته وتحمله وظروفه...

والحقائق على الأرض ليست كما يتخيلها كثير منا، ليس من السهل التجميع الهادئ الموزون، لكن لا بد منه، كيف؟ بالبحث ومحاولة إيجاد صيغ للتكتل والتجميع المؤثر..ناشطو الميدان ممَن أعرف مُنكبَون على محاولة تجميع قوى الحراك والتنسيق بين دوائره والاتجاه نحو تنظيم الصفوف، فالثورات الشعبية مزيج من العفوية والتنظيم، فالعفوية تعصمها من الاستئصال، والتنظيم يعينها على حسن التسديد.

والمسار السياسي الثوري لم يستقر، بعدُ، على تصور جامع، ثمة محاولات ولعلها تُؤتي أكلها تدريجيا... الميدان صانع التغيير، وعطبه في بعض عقوله الموجهة والمؤثرين فيه، لا يمكننا جعل التغيير العميق قضية رأي عام بلا إقناع الشعب وتوسيع دائرة إسناده، وهذا لا يتأتى من غير رؤية وتصور ووثيقة سياسية وخريطة طريق نقول للناس فيها، كل الناس وكل الشعب، هذا هو الطريق، لا يمكن لعموم الناس أن يتفاعلوا وينخرطوا في مسار التغيير العميق الذي ينادي به الحراك السلمي من غير رؤية ومعرفة الوجهة وتسديد الموقف، هكذا هي سنن الله في حركات التغيير، وسنن الله غلَابة لا تجامل ولا تحابي..

والحراك الشعبي عندما تكون قضيته جامعة لقطاع واسع مؤثر يبلغ مداه بالتغيير المطلوب، وأما عندما يقتصر على فئة من الناس، فينكمش، ولهذا فالعمق والامتداد الشعبي وكسب الرأي العام وعرض التصور والرؤية السياسية للصراع والحل، مظنة كسب قطاعات أوسع من الشعب، ولا تغيير من دون إسناد شعبي واسع، أما لغة الاستعلاء والإدانة لعموم الناس واتهامهم، فهذا صنيعه كمن حمل فأسا وأحدث ثقوبا في السفينة...

عقل الثورة السياسي لم يتقدم ولم يتجدد وغرق في أفكار جزئية وتشعبت به السَبل، ولم يواكب حركة الشارع ولا احتياجها المُلحَ لعقل عملي جمعي موجه ومنسق يخوض الصراع بمنطق ورؤية وتصور، ويدلَ الناس، كل الناس، على طريق الخلاص من حكم يُسمَم الحياة ويستكمل عهود الظلام والانحطاط والخراب والتحطيم..

والأفكار التجديدية الحيّة المُلهمة الدافعة في الأمم إنما هي حصيلة مراجعات نقدية واعية للمواقف والاختيارات، وهي ناجمة عن حالة من التجديد الفكري والنقد الذاتي، والتأمل الواعي في التجارب والمسارات والسنن، ولا يمكن اختصارها في قصة شخص أو أشخاص يصنعون زعامة ويُلتف حولهم بقدر من التسليم مع التصفيق، فترتبط حركة التغيير بمعارك الزعامة لا بقوة إلهام الأفكار وحيويتها وتجديدها، فترتبط بالزعامة الشخصية أكثر من حركة المجتمع، وهذا يفقدها التأثير الواسع والعمق..

ومن أخطر ما يواجهه الثوار انكشافهم أمام أنفسهم، فيرون أنفسهم مسؤولين عن مصيرهم السياسي وعن صياغة موقفهم وعن تحديد وجهتهم ورؤيتهم، وإذا لم يتحركوا ولم ينجزوا شعروا بالعجز وتسلل الإحباط إلى النفوس.

قراءة 80 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 04 نوفمبر 2020 20:15