الثلاثاء, 08 ديسمبر 2020 09:51

الثورة ليست الديمقراطية... الخيار التوافقي لا الحسم الكلي مميز

كتب بواسطة :

الثورة ليست الديمقراطية، والانقسام السياسي والأيديولوجي القائم في المرحلة الانتقالية وما بعدها يتطلب من الأطراف السياسية تبني خيار "الديمقراطية التوافقية"، وبناء الحكم الديمقراطي يتطلب صبرا وأناة وتشبيكا للدوائر السياسية المعنية بالتغيير العميق من دون إقصاء أي طرف إلا من تطرف وانغلق وأعمته الأحقاد. ويبدو أن الديمقراطية الناشئة يصلح لها الحكم التوافقي لا الحسم الكلي، وغلبة النهج التوافقي لا نهج المغالبة من مصلحة البلد، بما يُفشل مآلا بالغ السوء.

وثمة ثلاثة مكوّنات ضرورية للديمقراطية المعاصرة:

أولا: المشاركة السياسية القائمة على حق الشعب في تقرير مصيره السياسي، والتأثير في القرارات العمومية التي تمس حياتهم، بشكل عام، المتمثلة أساسًا في الانتخابات الدورية النزيهة، وذلك من دون اختزال هذه المشاركة في الانتخابات، فمستويات المشاركة في النظام الديمقراطي متعددة ومفتوحة أمام إمكانات كثيرة للمشاركة لا تنحصر في السياسي وفقط..

ثانيا، حكم القانون ووضع حدود للسلطة لمنع التعسف في استخدامها، وهذا تحديد السلطات التشريعية والتنفيذية بالمدة، عبر انتخابات دورية، وبالصلاحيات بتوزيعها بين مؤسسات مختلفة، بحيث يتحقق توازنٌ بين السلطات ورقابة متبادلة بينها بواسطة أدوات متعددة. ولكن من دون حريات فردية وجماعية ومن دون تحديد سلطات الدولة، تُصبح الديمقراطية عبارة عن استبداد ممثلي الأغلبية.

ثالثا، ضمان الحقوق السياسية والحريات المدنية التي يحميها حكم القانون وتحميه، ومن دونها تصبح المشاركة السياسية غير ممكنة، أو تمارس شكليا فحسب.

وتستمد المسألة الديمقراطية فعَليتها من انتخاب الرئيس، وإن توافقيا في مرحلة أولى من الحل الممكن، ومن حماية الشعب من تعسف السلطة وطغيانها وتضخم أجهزتها القمعية، فالديمقراطية هدف التغيير المنشود، والعملية الديمقراطية مسار طويل متعرج، لا يخلو من نقائص وعيوب وثغرات وتشوهات، وكل التجارب الديمقراطية كانت ولا تزال منقوصة وعرضة للتطوير والإصلاح، وهذا ما جعل الغرب يحتاج إلى قرن ونصف ليبني ديمقراطيات راسخة، وليس ثمة استثناء عربي، كما تروج له الأنظمة التسلطية، وإنما قدرنا هو التغيير العميق التدريجي والانتقال السياسي الهادئ للحكم.

ومن الصعب إنتاج ديمقراطية من دون اتفاق أولي وضروري على الحد الأدنى من الممارسة الديمقراطية وما تقتضيه من اختيار حر ورفع الوصاية، وإن تدريجيا، مع الإقرار بصعوبة التحول من حكم سلطوي إلى ديمقراطي، وتحييد المؤسسة العسكرية وإخضاع الأجهزة الأمنية للرقابة، وأما عن السياسيين، فحتى إن لم يتفقوا فيما بينهم، لكن لا أقل من أن يتعايشوا مع بعضهم بعضا، ومع مرور الوقت سيعتاد الناس على الانتخابات والحكم الديمقراطي. ومهم هنا التنبيه إلى أهمية الإجماع على الدولة، ذلك أن الديمقراطية توصف بأنها أنموذج لإدارة وتسوية الصراعات ضمن دولة مجمع عليها، فما هي الدولة التي نريدها، وهويتها، التي لا تنفك صفاتها عن صلاتها وانتمائها الحضاري الإسلامي، حتى لا تكون عرضة للتوظيف والابتزاز والعبث، وما حدود كل سلطة فيها، منعا للتعسف والتضخم والطغيان والانقلاب.

ومهما غلبت الهواجس والظنون ومشاعر الخوف من المستقبل والخشية من الوقوع ضحية كيد وتآمر علينا، وهذا مشروع، لكن في الأخير مهم أن نعمل على انتصار السياسة المرنة والأفكار الإيجابية والرؤية المقاصدية، والدفع للذهاب إلى مرحلة انتقالية في المرحلة الأولى من البحث عن حل ممكن.

والمقصد الأعظم أن ننقذ بلادنا من سلطة النفق المظلم وحافة الانهيار، أن نُوفق في تجربة الانتقال الديمقراطي، بما يستوعب، ما أمكن ذلك، كل المكونات الوطنية على اختلاف توجهاتها، ولا سبيل لنا إلاَ العمل المشترك والتوافق السلس لتحقيق الانتقال الديمقراطي في بلدنا، لكنه ليس التوافق المُفرط المُميَع للقضايا، فحكومات التوافق يكون لها مكان مؤقت في المراحل المبكرة من التحولات الديمقراطية، على أن لا تطول مدتها، لأنها قد تواجه خطر الشلل السياسي، وعندما يترسخ المسار الديمقراطي وتلتزم جميع الأطراف به، قد يظل التوافق خيارا، لكنه لن يكون ضروريا، لأن التوافق، إن طال أمده، قد يكون سببا في أزمة الحكم. والانتقال التدريجي التوافقي صمام أمان من أي تهور واندفاع سلطوي أهوج، لكن مع الضغط والدفع باتجاه تحييد المؤسسة العسكرية من التدخل في العملية السياسية بما يمكنها من إبقاء السيطرة على القرار السياسي.

ومهم الإشارة، هنا، إلى أن جزءا كبيرا مما نعانيه اليوم من صنع وباء (الدولة القومية الحديثة)، (Nation State)، الذي أسس للاستبداد دولة وكيانا محميَا.. وتعتبر معاهدة ويستفاليا (1648) للصلح بين المجتمعات والإمبراطوريات الأوروبية المتناحرة، وثيقة ميلاد الدولة القومية الحديثة، وبدأ في إثرها تداول مصطلح "الدولة". والدولة القومية كانت تعني أن تتخذ كل مجموعة من الأعراق وأصحاب اللغات المتشابهة أرضا ويعينوا لها حدودا وتصبح بذلك دولتهم التي لا يُغير عليها أحد ولا يشاركهم فيها أحد...ففي معاهدة "ويستفاليا"، قسموا "إمبراطورية الربَ"، كما يسمونها وصفا للإمبراطورية المسيحية المترامية الأطراف إلى دول قومية، ذات حدود مُقدَسة ولغة منفصلة عن اللغة "اللاتينية المقدسة" وعرق معين ومذهب خاص بهذه الدولة...

وصاحب السلطة النهائية في هذا الكيان "الوهمي"، هو رأس الهرم، أو ما اصطلح عليها، بعد ذلك بفترة، مؤسسات الدولة...هذه الدولة القومية صُدَرت للعالم الإسلامي بعد تقسيم الدولة العثمانية وتفكيكها إلى أجزاء وأقطار...لتنتقل عدوى "الدولة القومية" من أوروبا إلى أمتنا وبلادنا الممتدة، وتلك معضلة أخرى، وقد صُممت مؤسست الدولة المصدرة إلينا لتكون معادية لأي تغيير عميق أو إصلاح حقيقي، ولهذا يصعب هنا الحسم الكلي والوصول إلى حالة نهائية مستقرة، فكان التدرج في التغيير وترويض مؤسسات وتحييد المهيمن والمتضخم فيها والتفكيك التدريجي للاستبداد هو الخيار الممكن المتاح الأقل ضررا وخسائر.

قراءة 230 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 08 ديسمبر 2020 11:17