السبت, 08 ماي 2021 10:19

السلمية باقية وتتمدد مميز

كتب بواسطة :

قلق وتوتر في صفوف متظاهري مسجد الرحمة، قلة الأعداد بسبب الحصار الأمني الرهيب أفقدها بريقها وجاذبيتها وحضورها في المشهد الحراكي...حاول بعضنا لملمة شتات مجموعات متناثرة هنا وهناك، وجوه شاحبة، شعور بالقهر، ساد الوجوم برهة من الزمن في انتظار المواكب المتدفقة من "باب الواد"...وفجأة أقبل علينا مهرولا: "غيروا مسار المسيرة باتجاه عميروش"، لم يكن أكثرنا يتوقع ذلك، لفتة "تكتيكية" بارعة وذكية لكسر الغلق والطوق الأمني، والتمرد على مسار أصبح تغييره لازمة من لوازم الحراك لأنه يحشره في مربعات محاصرة...

خط مسيرة باب الواد تغير، اختار التمدد بدل التعرج، وهكذا كان، لتنسحب الأحزمة الأمنية وينادى عليها بإعادة الانتشار، فالعقل الميداني الفوار للحراك شتت التركيز وأحدث جلبة في غرفة العمليات الأمنية، وصنع الحدث الأبرز ليوم أمس، ليلتحق بالركب السائر أكثر مجموعات مسيرة الرحمة، فيكتمل المشهد الحراكي الرائع، وبلغت المعنويات عنان السماء، فكأنما جمعة رمضان الأخيرة دخلت تاريخ الحراك من بابه الواسع، وسجلت حركة ذكية وأكسبت الحراك روحا جديدة في معركته السلمية ضد نظام أفلس وشاخ وأصبح خطرا على البلد، لا يراهن إلا على الهراوة والقمع والمطاردة ولا يملك خطة إلا كسر وإجهاض الحراك، ولا يحلم إلا بالتخلص من ثورة الشعب السلمية، بلا فكرة ولا عقل ولا تصور ولا مكانة ولا قدرة على التأثير والإنجاز..

سارت الجموع المتدفقة في شارع بلوزداد الطويل الممتد، تفاجأ أبناء حي "بلوزداد" العريق برؤية قوافل الحرية والكرامة بعد طول غياب، وفرح كثير منهم وتهلهل وجهه، فكان الماء يُصب على المتظاهرين من شرفات البيوت بردا وسلاما عليهم لشدة الحر والقيظ، والمواكب تتدفق لا يُرى أولها من آخرها حتى وصلت المواكب إلى "رويسو" وتجاوزت "حديقة التجارب" بالحامَة، فكان التربص الأمني وجدار القمع في انتظار السلميين العزل، وبدأ الضرب والاعتقال، وانتشرت صورة الشيخ الهرم ممسكا به من مجموعة أمني بزي مدني كأنما يُسلق إلى المذبحة، فهذا يصفعه وذاك يشتمه ويسبه وثالثة يدفعه ورابع يهدد بعصا غليظة وخامس يعقد يده للكم والشرب، صورة مرعبة ترجع بالجزائر إلى سنوات التسعينيات، حيث الحرب القذرة المجنونة، واقتيد أحد المتظاهرين إلى مركز الأمن السادس مصابا قريبا من عينه، وخاطب مسؤول أمني الشرطة الممسكة بهذا المتظاهر السلمي: "بلعقل عليه اللايف راهو داير حالة" (خفف عنه، فالتصوير المباشر يطاردنا)، فهذا هو السلاح الفتاك الذي بحوزة المتظاهرين "التصوير" لكسر التعتيم الإعلامي لقنوات النظام ونفض رواية الزيف والتضليل، ثم كانت حملة قمعية أمنية ثانية قريبا من مبنى شركة "سونلغاز" لكسر ثبات المتظاهرين وتفريقهم...وهكذا تهدي السلطة الأمنية القمع والضرب والسحل للمتظاهرين السلميين عشية ذكرى مجازر مظاهرات 08 ماي 1945 على يد جيش الاستدمار الفرنسي..

وتجاوب المتظاهرون مع حركة سلمية مُبدعة، ورفعوا أيديهم إلى السماء في موقف بليغ دلالة على السلمية الناصعة وأنهم متظاهرون عزل لا يملكون غير الصمود والإصرار لبلوغ هدف التغيير الحقيقي. وقد أحدث هذا القمع الأمني الرهيب ضجة في صفوف المتظاهرين، واضطرهم للتراجع والانسحاب وعاد كثير منهم من حيث أتى، لكن مسافة 5 كيلومترات تقريبا من السير تحت أشعة الشمس الحارقة، في سلمية مُلهمة وحماس لاهب وتفاعل أبناء الحي، كأنما استعاد شارع "بلوزداد" التاريخي بعض أمجاده قبل أن يجرفه تيار الإغواء والإلهاء، لكن كثير من أبنائه ما زالوا أوفياء للحراك، ومسيرة مسجد الهدى شاهدة على ثباتهم ورسوخهم..

ولك أن تقارن بين من قطع مسافة طويلة في تظاهر سلمي من دون أي حركة مثيرة أو تصرف مشين يكدر به صفو المسيرة السلمية المتدفقة وبين تدخل لقوات الأمن قطعت عليهم الطريق وانهالت على الصفوف الأمامية بالضرب والسحل واعتقل منهم، الصورة الحضارية الأولى هي صورة الحالمين بالتغيير والنهوض ببلدهم الجريح الموبوء بوباء أشرس وأفتك من "كورونا"، وهو طاعون الاستبداد، والصورة القبيحة الثانية تنتمي لعهود الظلام والانحطاط التي أغرقت البلد في الأوحال وأخرجته من التاريخ..

قراءة 229 مرات آخر تعديل في السبت, 08 ماي 2021 15:05