الإثنين, 17 ماي 2021 13:39

أمام محكمة "سيدي امحمد"..6 أبناء كلهم حراكيون وجزائر المجاعة والهراوة لمنع الشرارة مميز

كتب بواسطة :

انتظرنا طويلا، أمس، أمام محكمة "سيدي امحمد"، وانتظر عشرات من السلميين، أمس، أيضا أمام محكمة "بينام"، في انتظار إجراء المثول الفوري لمعتقلي الجمعة الماضية، جمعة الثكنة الأمنية المفتوحة القمعية..لم يغاردنا القلق والتوتر، العقل الأمني يعتمد الترهيب لقطع الطريق على الجمعة القادمة، فقرار إخلاء الشارع دخل حيز التنفيذ، والإيداع والحبس المؤقت العصا الغليظة للترهيب، كنا ندرك هذا، أصدقاء وعائلات المعتقلين المحاكمين تهيؤوا لمثل هذا، واستعدوا نفسيا، صرنا "خبراء في سلوك السلطة الأمنية"، كما قال أحد الناشطين، "أدخلنا الحراك في الشأن العام من بابه الواسع، وأصبحنا نناقش كل القضايا بدراية واهتمام ووعي، إن لم يكن للحراك إلا هذا التقدم والقفزة النوعية في عالم الوعي والثقافة العملية، فكيفيه إنجازا"..وقد صدق..

تعرفت إلى عائلة أحد المعتقلين من مدينة "عين الدفلى"، تحدثت إلى شقيقه، وروى لي قصة أخيه المعتقل للمرة الثانية، ثم اقترب والد المعتقل، فإذا بي أمام جبل أشم، من دون أي مبالغة، فهو طبيب ومثقف وخطيب مفوه لا يُملَ حديثه ومناضل شرس متمرس، قال لي مفاخرا وحُق له ذلك: "عندي من البنين 6 كلهم حراكيون، نأتي كل جمعة من مدينة عين الدفلى لا يتخلف منا أحد إلا لضرورة قصوى، نسير مع الركب الثائر، نكثر السواء ونعزز الصفوف، إنما العزة للكاثر"، فتعجبت لحديث هذا الوالد الشامخ، ثم عرفني بأبنائه: "هذا مصعب وهذا...."، وطال بنا الحديث عن الحراك وما قبله وما بعده، ولا يقطعنا إلا قدوم أحد أبنائه يأتيه بخبر من داخل قاعة المحكمة"، لا يبدو على والدهم أي قلق، "ابني هذا المعتقل للمرة الثانية ممرض، كان من الأوائل المسفين في بداية وباء كورونا ومن أوائل ضحاياه، لا يكاد يهدأ، اعتقلوه في طريقه إلى صلاة الجمعة في مسجد الهدى بحي أول ماي كان خلفي اعتقلوه ونجا أشقاؤه، أكملنا المسيرة بتمامها وأوذينا كما أوذي السلميون، وفي المساء بحثنا عنه في مراكز الأمن، وأبلغونا بأنه سيمثل أمام وكيل الجمهورية يوم الأحد...يريدون تخويفنا، وجئت اليوم أمام المحكمة بكل إخوانه، فلم ننهض لنستسلم"...

انتقلت إلى عائلة معتقل آخر من العاصمة، وإذا بي أفاجأ أنني أمام خبير اقتصادي، شقيق أحد الناشطين الأوفياء المعتقلين في حراك الجمعة الأخيرة: "يقمعون ليخوفون الشعب من أي تحرك قادم، لأنهم سيغرقون الشعب في مجاعة ولن يكون هذا بعيدا، سترى، عطش ومجاعة، أفلسوا وجف الضرع والنبع، وليس لهم مات يواجهون به الشعب إلا القمع والهراوة"، صدقت ولهذا كان اتكاؤهم على المخزون الأمني القمعي،، يقاطعني: "أقول لك شيئا...لا مال، ولا ماء، ولا سكن قادم، ولا تجارة ولا اقتصاد...تركوا لنا البلد خرابا ويحكمون فوق ركامه، ومتخوفون من غضب الشعب، لهذا أرهبوه بفائض أمني غير مسبوق، لم يبق لهم إلا الهراوة وانهالوا بها على رؤوس السلميين، ويعمَمون البطش والقمع على أي تحرك شعبي قادم، مرحبا بكم في جزائر المجاعة، بعد أشهر، صدقني، سنرى ما لم نره من قبل"..

اقتربت من مجموعة حراكية أخرى، وكان حديثهم مُلهما، عن الحراك والعقل الإستراتيجية وما ينبغي فعله أمام هذا التحدي الأمني القمعي الرهيب: "الجمعة القادمة ستكون شرسة أمنية كسابقتها، لا أرى بالمغامرة، فإن كان ثمة زخم، فهذا الذي نأمله، وإن كان في حجم الجمعة الماضية، فلا أرى بالمغامرة، تتالت علينا الضربات الأمنية الموجعة، ولا بد لنا من إعمال العقل والتفكير الاستباقي.."، يقاطعه آخر: "نتحدى وليكن ما يكون، وليس ثمة جمعة حاسمة"، يرد ثالث: "بل نغير المسارات ونتجنب الأماكن المحاصر بإحكام، لا معنى لتعريض السلميين لمخاطر الاعتقال وفي مقدورنا المباغتة والمفاجأة، أين العقل التخطيطي، أين التفكير الإستراتيجي؟ كل ثقلنا وضعنا في الشارع والزخم لكن من غير تفكير وتدبير وتقدير استباقي، فهذا وقت الذكاء والتفكير العملي المتجاوز لما نواجهه"، تدخل ثالث غاضبا: "لن نغادر قلب العاصمة، فهذه الساحات حررناها ونعرفها وتعرفنا ولها رمزيتها وجاذبيتها"، يقاطعه الأول: "التصلب جفاف وانغلاق والمرونة مكسب وقوة، هذه جولة جديدة من الصراع السلمي لا بد لها من عقل استشرافي وتفكير إستراتيجي، والأهم المحافظة على المخزون الثوري وأن لا نغامر به ونعرضه لمزيد ضربات موجعة"، وكأني، والله، في مركز بحث وتفكير على جانبي الطريق الفرعي خلف محكمة "سيدي امحمد"..

تأخرت المحاكمة وكان الأمل كما توقعه الحراكيون الخبراء في طبيعة تفكير وسلوك وسياسات السلطة القمعية: "6 إيداع حبس مؤقت و7 تأجيل المحاكمة مع عدم الإيداع"، الحصيلة ثقيلة، وأثقلتها أكثر أوامر محكمتي بينام وسطيف في ساعة متأخرة (50 تقريبا أدوعوا، أمس، الحبس المؤقت) توجع وألم وتعاهد وعزيمة وصبر ولعض الحيرة والقلق على مستقبل الحراك.. هنأنا المفرج عنهم، تألمنا كثيرا لضحايا الأوامر بالإيداع، أتحفنا والد الستة، من عين الدفلى، بكلمة تثبيتية بليغة، ودع بعضنا بعضنا على وعد بلقاء قريب.. (الصورة من محكمة بينام أمس ليلا في انتظار نهاية المحاكمة).

قراءة 117 مرات