السبت, 02 أكتوير 2021 09:07

الحراك حقائق لا كلام مرسل وعقد نفسية مميز

كتب بواسطة :

ما أحدثه الحراك الشعبي السلمي من تحولات اجتماعية وسياسية في وعي الناس لم يُسبق إليه، فتح الطريق نحو تحريك المجتمع وكشف أقنعة الطغيان وعرَى الاستبداد واستعاد ثقة الشعب بنفسه وقدراته وجدَد العزم والإصرار على التغيير..صنيعه هذا أربك النظام واستنفر أجهزته لتعطيله وإجهاضه، وكل التركيز السلطوي الآن: قطع الطريق على أي موجات ثورية سلمية قادمة...

أذهل المراقبين بسلميته واستقلال قراره وتدبيره، لم يخضع لأي طرف، في الداخل والخارج، ولا ارتبط بجهة ولا استُخدم من أجهزة، على الرغم من محاولات الاختراق والتسلل، لكن بقي جسمه الأكبر سليما معافى، وحافظ على ذاته ورفض المساومة على قضيته المركزية: التغيير الحقيقي، ولم يتصلب ولا انغلق، وإنما أدار الصراع بالاعتماد على الشارع بعقل مفتوح، غير أنه فقد الثقة كلية في النظام، وقد انقلب على خياره منذ الأشهر الأولى لثورته واستخدمواه لتصفية الحسابات، لكنه لم ينخدع ولا ركن، ولا تورط في صراع الأجنحة ولا انحاز لطرف دون آخر، وهذا من تجليات وعيه ونضجه...وما ادعى العصمة ولا النقاء الثوري، ولم تهدأ نقاشاته ولا حواره النقدي الداخلي، وكل من كان قريبا منه لصيقا به يدرك أن مستوى حرية التفكير والنقاش والنقد داخله لا تضاهيه فيها أي تجربة سياسية شعبية سابقة، فضلا عن الطبقة السياسية المترهلة...

الكلام المرسل غير المنضبط ولا الموقف لا يُعتد به ويترفع عليه الشرفاء وأصحاب المروءات، لا يستهلكه إلا ضعاف النفوس..ومن له إثباتات وحقائق ناطقة أو صامته فليتفضل، وليس من عادة الحراك أن يدس رأسه في التراب كما تفعل النعامة وأشباهها..أو يتنكر لأخطائه اجتهادا وتقديرا وتدبيرا، فليس ثمة حركة شعبية معصومة ولم تأت الدنيا بهذا ولن تأتي به، ولكنه أكثر التجارب التغييرية السلمية، على الأقل حتى الآن، نضجا واتزانا وانضباطا وتنوعا، وعقيدة التحرر من الاستبداد أصبحت أكبر من خصومها، وأحسن تطبيقيا مما كانت في الماضي.

هذه حركة شعبية يستحيل معها الفرز والتدقيق والسيطرة الكلية على مسيرتها وتحولاتها، ولكن عقلها الجمعي كان مستوعبا لحقائق الصراع وامتص كثيرا من الضربات واحتوى أزمات داخلية وحالات تشوه لا تكاد تسلم منها حركة شعبية تغييرية..والنداء المستمر لكل ناقد بأن يتجرد للحق، وأن يقاوم ضعفه الشخصي لا أن يبرر ضعفه وجهله، ولا أن يُحوَل عقدته الشخصية ومرضه النفسي إلى مذهب فكري يلزم به غيره، فمن كان مريضا أو مُصابا بعقد نفسية وفكرية فليراجع الطبيب، لا أن يصطنع ما ليس فيه..

وقد يفهم الناشط خطأ أن حضوره وتأثيره يعني الصواب المستمر، وهذا ليس صحيحا، بل قد يكون صوابه في وقت ما مهواة به إلى أخطاء فظيعة في أوقات أخرى عندما ينسى أسباب الصواب السابقة، فالواعي بنفسه وإمكاناته يجاهد على جبهتين: جبهة المصالح العامة وتقديمها، وجبهة مواجهة "الأنا" وما تزرعه النفس من اعتداد بالنفس والاغترار قد يُضعف الوعي الذاتي..وبعض المحسوبين على الحراك تحولوا إلى كائنات صغيرة جدا، ولم يستطيعوا أن يقاوموا تضخم "الأنا" واستبدت بهم الأحقاد، ويتوقعون أن استجابتهم لدوافع الصَغار المريحة للذات ستُخلَصهم من عقدهم وتشفي غليلهم، فيسقطون في مستنقع الجهالة والانحياز الأعمى، فتتشعب بهم السبل ويضلون الطريق..ومما نصح به العقلاء الحكماء قديما وحديثا: لا تسجل في تاريخك تزلفا ولا تملقا ولا تطبيلا، فقد تندم عليه إذا استيقظ قلبك يوما وصحا ضميرك..

قراءة 186 مرات آخر تعديل في السبت, 02 أكتوير 2021 10:13