الثلاثاء, 12 أكتوير 2021 09:59

"إبراهيم لعلامي" ومسؤولية التحرير مميز

كتب بواسطة :

الناشط الميداني "إبراهيم لعلامي"..كتلة من الغيرة والحماس والأوجاع والآهات..يتألم لوضع بلده ويحترق قلبه بنيران المظالم والفساد...ليس إلا صورة عن بلده المنكوب بطاعون الاستبداد...يساوون بينه وبين عتاة المفسدين وكبار اللصوص في الحكم، والشاب المكلوم لا يملك قوت يومه..ضاقت به أرض أجداده فارتحل غاضبا مقهورا، وجد نفسه مطاردا في عرض البحر، فأعادوه من حيث أتى وغيبوه في السجن وحُكم عليه بسبع سنوات سجنا؟؟ الشاب إن تحدث فبحرقة وإن بكى ألما على وطنه فبحرقة، وإن اعترض فبحرقة، وإن صاح قهرا فبحرقة، الحرقة لا تكاد تغادره، ولا يكاد يهدأ، نصحوه بالهدوء والحذر، وكل ما ترجوه والدته منه أن "اهدأ قليلا يا بني"..ولم يستطع أن يسيطر على مشاعر القهر، وليس له إلا لسانه الذي يعبر به عن جحيم الطغيان الذي يكتوي بنيرانه، وعقله الوقاد..

"إبراهيم" نسيج وحده، لا يُرى إلا مشمرا مهموما منغمسا في شؤون وطنه لا يفارق المستضعفين المسحوقين، هو منهم وهم منه، لا يستطعم الحياة من دونهم، يعيش معاناتهم ويسعى في بذل الخير والتخفيف عنهم، وهو في كل هذا يتنكر لذاته، مشفق على والديه، فأمه انخلع قلبها كمدا على ابنها، وأبوه ملأ قاعة المحاكمة صياحا: "أنقذوا ابني إنه يموت ببطء"..كل الذي يطاردوه عليه هذه رفضه أن يعيش تابعا مقهورا ذليلا في بلده، صامتا مسروقا، مخونا أحيانا ومغدورا به أخرى، يُساق كما تُساق الخرفان، فليس الناس مجرد قطيع من الأغنام البائسة تمشي خلف الراعي الذي يستدرجها بحزمة عشب، ولا تكلف نفسها عناء البحث، ولا تعرف أنه لن يقودها إلى مراعي الكلأ مادام يتحايل عليها بربطة عشب، فهو يغوي القطيع بهذه الحيلة ويسوقها سوقا إلى المذبح...

"إبراهيم" يرفض هذا الانقياد الأعمى والتفويض المهلك، ويحافظ على إنسانيته وذاته ولا يريد لها أن تُطمس وتُختزل في حزمة عشب للعلف..ليس "لعلامي متاعا يورث ولا سائبة تهيم على وجهها، "إبراهيم" يريد، ونداؤه "الشعب يريد"، فهل هذه جريمة كبرى؟ وهل الكلمة الحرة تهمة؟؟ فالشعب يريد الحياة، ويريد المساواة، ويريد الديمقراطية، ويريد الكرامة، ويريد المحاسبة، ويريد الثروة، ويريد العزة، وهكذا تتابع الكلمات التي توحي أن الشعب انتقل إلى "منطقة الفعل" من "منطقة الشيء" الذي يباع ويشترى، ويُسرق ويُسجن ويُخدع ويُخان ويباع في نخاسة سياسية رديئة أو غبية بمقدار رداءة الحاكم وجبنه وضعفه.

"إبراهيم" تثقف بـ"الثقافة الجديدة" وأدمن على الالتزام بالواجبات الجديدة التي كانت محرمة على عموم الناس، فقد خرجت السياسة والشأن العام من كونه عالما من المحرمات إلا للخاصة إلى كونه من "الواجبات العامة"، ومن كون السياسة سحرا يتداوله الكهنة إلى معارف متاحة..وهذا ترى فيه السلطة الخطر الأكبر الذي لا يدانيه خطر..هناك تحول مرعب للحاكم في "الثقافة الجديدة"، فكلما زادت ملكية القرار في اليد زاد خوف من يملك القرار وتعاظم هلعه من الذين تبين أخيرا أنهم بشر أسوياء، بل أذكى وأشرف وأنظف من حكامهم، وهنا وفد الأذكياء من الشعب لساحة التحدي للفساد الذي نخر البلدان، وهدم الأبدان، وأوهى الهمم والعقول..

"إبراهيم" إنسان حر شريف، وفي السجن يجد الشرفاء الأحرار المناهضون للطغيان الحرية حيث افتقدها الناس، هناك شيئ مشترك في هذه الحرية وجده علي عزت بيغوفيتش كما وجده ابن تيمية من قبل وكما وجده سيد قطب، وكما وجده مانديلا، والحرية التي وجدوها وراء الأصفاد حررت قلوبا وعقولا وبلادا كثيرة خارج سجونهم في العالم الفسيح، والإنسان الحر في قبور الأحياء (السجن) قد لا يدرك أبعاد أثره التحرري ولا يستطيع تقدير أثر شهامته وصدقه وصدعه بالحق على غيره..وقد يكون تأثيره أكبر مما يتخيله ولم يكن يتوقعه..ولا تتوهموا أن كل الرجال يحبون الحرية ويسعون لها...فليس كل المضطهدين المقموعين المغيبين معنيين بالاستقلال الثاني (استقلال الإرادة والقرار بعد استقلال الأرض) وليس كلهم يتوق للحرية والانعتاق....وأصحاب الهمة قلوبهم موقدة، يندر أن تهدأ، لا تعرف راحة، بل ترى الراحة ذنبا، فلا تعذبها باللوم فهي هكذا مخلوقة.

قراءة 173 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 12 أكتوير 2021 10:26