الأربعاء, 02 فيفري 2022 15:03

إضراب الكرامة يُزلزل سجون السلطة مميز

كتب بواسطة :

للتذكير: خرج "مانديلا" من السجن بعد عشرة آلاف يوم كاملة في المعتقل، وكان عمره واحدا وسبعين عاما، وقاد دولته الجديدة في طريق لم يسبق أن سارت فيه من قبل...لا تتوهموا أن جميع الأفارقة في جنوب إفريقيا سعوا إلى الاستقلال، ولا تتوهموا أن كل الرجال يحبون الحرية ويسعون لها!

انتقمت السلطة الأمنية من المساجين الأحرار المضربين، ونقلتهم بعيدا عن الأعين والأهل والضغط الحقوقي، بعد أن أحدث إضراب عديد من سجناء الحراك ضجة وأربك دوائر القرار المعنية، ضغطوا عليهم وأكرهوهم على وقف إضراب الكرامة، فأبوا ورفضوا الانصياع لأوامر السجان، فضج السجن ولم يجدوا من حيلة لإخماد حركة الإضراب القوية إلا نقلهم بعيدا من سجن الحراش إلى سجن البويرة لإخماد الزلزال الذي أحدثوه بإضرابهم..لكنهم يملكون ما يقاومون به إلى آخر رمق: إرادتهم التي لا تُكسر..

ليس المكان يرفع أقدار الرجال، وإنما صنيعهم وصمودهم وثباتهم، فإن الأرض لا تقدس أحدا..خيرَوهم بين الذل والخنوع والهوان، أراحوهم من مسؤولية القرار ومن ثقل الاختيار، وتلك نعم يهنأ بها العبيد دائما في كل مكان، لكن سجناء الحرية من طراز آخر من الرجال اختاروا الصمود وتحدي السجان، يهون عليهم بُعد المكان ووحشة العزلة ولا تهون عليهم كرامتهم وإرادتهم الحرة المستقلة، وأكثر الثوار الأحرار صناع التاريخ كانوا مطاردين أو مسجونين أو يعملون ضد الطغيان بعيدا عن الأنظار حتى لا تتخطفهم الأيدي..سجناء الحراك تاج على رؤوسنا، هم عزنا وفخرنا، ومن سجنهم حرروا كثيرين بصمودهم وثباتهم ورسوخهم..ومهما كانت معاناة السجناء الأحرار في بحثهم عن الحرية فإنما يستمدون القوة من كونهم مناضلين من أجل تحرير شعبهم...

والتحدي الذي يواجه كل سجين رأي هو المحافظة على ذاته في السجن، وأن يخرج من السجن دون أن يتضاءل، وأن يحتفظ بل ويزيد من قناعاته، وأول مهمة لتحقيق ذلك هو أن يتعلم كيف يبقى يقظا، ولكي يتحقق ذلك فلا بد له أن يعرف هدف سجانه، وهو هزيمة معنوياته وتقويض عزمه وتشكيكه في مراده، وقد فهم سجناء الحرية ما تحاول السلطة أن تفعله، ووعوه معا، وكان عليهم أن يصنعوا طريقة مقاومتهم السلمية داخل السجن، وقد أحدثوا بإضرابهم رجَة كبيرة وزلزلوا السجان زلزالا شديدا..

هي معركة واحدة يخوضها الحر داخل السجن وخارجه، لأن طبائع السجان متماثلة، فما يواجهه الحر من حيف وظلم وقمع خارج السجن يواجهه داخل الزنزانة، يقول مانديلا عن هذه المعركة من داخل زنزانته: "كنت حينذاك مهمشا، ولكنني كنت أعلم أنني لن أتخلى عن المعركة، كنت في بيئة مختلفة وصغيرة حيث الجمهور هو أنفسنا وسجانونا، ولكنا نظرنا للمعركة داخل المعتقل كميدان مصغر للمعركة ككل، فقد كانت هناك -في السجن- نفس العنصرية، ونفس الاضطهاد -كالتي في خارج السجن-، ولم يدر في خلدي قط أنني لن أخرج من السجن يومًا من الأيام، وكنت أعلم أنه سيجيء اليوم الذي أسير فيه رجلًا حرًا تحت أشعة الشمس والعشب تحت قدمي، فإنني أصلًا إنسان متفائل، وجزء من هذا التفاؤل أن يبقي الإنسان جزءا من رأسه في اتجاه الشمس، وأن يحرك قدميه إلى الأمام. وكانت هناك لحظات عديدة مظلمة اختبرت فيها ثقتي بالإنسان بقوة، ولكنني لم أترك نفسي لليأس أبدًا. فقد كان ذلك يعني الهزيمة والموت"...سيُدمن الأحرار طرق باب الحرية حتى ينالوها يوما ما..

قراءة 177 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 02 فيفري 2022 15:23