الجمعة, 01 أفريل 2022 13:04

حراك بلا أيديولوجيا...الثورة المضادة بغلاف فلسفي برّاق مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

- يطرح كتاب "حراك بلا إيديولوجيا" نقدًا للحراك الجزائري الذي انطلق في 22 فبراير 2019، وقبل أن يدلف إلى هذا النقد، يمهّد لأطروحته التي تقسّم الذهنية الجزائرية إلى نمطين: إنسان ما بعد الموحّدين (والمصطلح للأستاذ مالك بن نبي) والنمط المفرنس. ثم يغوص في تحليل تاريخي واجتماعي لذهنية الفرد الجزائري تمتد منذ فترة ما بعد الموحّدين إلى غاية حراك 2019.

والحقيقة أن الأطروحة التي يعرضها الكاتب يمكن الاشتباك معها والاتفاق مع الكثير من جوانبها وتثمين هذا المجهود الفكري للمؤلف، لكن عندما نصل إلى الفصل الذي يُسقط فيه نظريّته على الحراك، فإن بُنيان المؤلف الفكري يتهاوى كبيت من ورق، بسبب التشويه والتحريف التاريخي والتزوير الفجّ لتاريخ قريب عايشناه منذ شهور قليلة، وشهده ملايين الجزائريين؛ لعلّ هذا التشويه يحفّز كل من شارك في الحراك الجزائري من أجل تدوين شهادته وعدم السماح بكتابة تاريخ مزوّر للحقيقة يُكتب أمام أعيننا، من شأنه أن يعطي صورة لا علاقة لها بالحراك كظاهرة شعبية سلمية فريدة في تاريخ الشعب الجزائري.لينين، الذي استشهد به المؤلف في كتابه، كان يقول بأن المثقفين هم أقدر الناس على الخيانة، لأنهم: أقدر الناس على تبريرها، ولسنا نتّهم الكاتب هنا بالخيانة الصريحة، بل بالخيانة العلمية. فكثيرًا ما تختفي الثورة المضادة خلف مقولات فلسفية وفكرية تتضمّن بداخلها طعنًا لأشواق الشعوب نحو الحرية وتسفيهها لرغباتهم وتطلّعاتهم ومجهوداتهم، بدل تقويمها وتأطيرها وتزويدها بالزاد المعرفي للوصول إلى مبتغياتها.

- يتماهى خطاب المؤلّف بصورة تامة مع دعاية "الثورة المضادة" التي سادت خلال صيف سنة 2019، حين استخدمت غرف النظام السوداء وسائل الدعاية والتقسيم والتلغيم لتفجير الحراك من الداخل واستدعاء فزّاعة القبائل والتحذير منهم، والتلويح بخطر الفيدرالية والانفصال وطرح موضوع الراية الأمازيغية من أجل الظهور بمظهر السلطة التي تريد الحفاظ على الوحدة الوطنية مقابل الحراك الذي يريد تقسيم البلاد، وقد انطلت الخدعة على فئة ليست بالقليلة، بل صارت تتردد على الكثير من الألسن، والأقلام، ومن بينها، قلم المؤلّف في كتابه هذا.

صنع المؤلّف حراكًا متخيّلاً في ذهنه، من خلال اختزال هذه الظاهرة السياسية والاجتماعية التي لم تشهدها البلاد منذ استقلالها، ونظر إليها من ثقُب شديد الضيق قد لا يتجاوز فتحة الإبرة، وربما استقى معطياته ومعلوماته عن هذا الحدث، ليس بالاحتكاك اليومي والمشاهدة العينية والغوص في الميدان، بل من خلال مقاطع فيديو أو صورة مجتزأة من سياقها على مواقع التواصل الاجتماعي، وإلا كيف نفسّر هذه المقولات.

- "مطالبة بعض القبائل بالفيدرالية" ص156، ربط الكاتب بين الحراك وبين مطالبة "بعض القبائل" حسب قوله بنمط الحكم الفيدرالي، وكأن الحراك الشعبي، أي المظاهرات المنتشرة في أكثر من 30 ولاية رفعت مطلب الفيدرالية. ثم إذا كان "البعض" في منطقة القبائل قد رفعوا هذا المطلب أو هذا الشعار، كم كان عددهم يا ترى؟ وما حجمهم داخل الحراك؟ وهل كان هذا المطلب هو السائد في منطقة القبائل أم مجرّد "كمشة" معزولة رفعت لافتة من بين آلاف اللافتات؟ هل أجرى الكاتب دراسة ميدانية لمعرفة حجم انتشار هذا المطلب وإن كان يحقّق الإجماع وسط المظاهرات؟ ولماذا التقطت عدسة المؤلف هذا الشعار معزول الذي لم يحقّق أبدا إجماعًا في المنطقة نفسها، ناهيك على أن يحقّق إجماعا في عشرات الولايات المشاركة؟

لا شكّ في أن الكاتب تأثر بدعاية السلطة وصفحات الذباب التابع لها، التي روّجت لمؤامرة قبائلية ضد الوطن هدفها تقسيمه، ومن خلالها جرى التخويف وشيطنة مصطلحات مثل المرحلة الانتقالية أو الجمهورية الثانية أو المجلس التأسيسي وغيرها من المطالب التي رفعها جزء من الشارع.

- الخطيئة الأخرى التي وقع فيها الكاتب خلال الأسطر القليلة التي تحدّث فيها عن الحراك (وهذا من عجائب الكتاب أيضًا، إذ قد يخيّل لقارئ لكتاب يحمل عنوان "حراك بلا أيديويوجيا" أن الكاتب سيغوص في تفاصيل الحراك ويحلّلها تحليلاً عميقًا من عدّة جوانب، إلا أنّه اكتفى بأسطر قليلة عن الحراك، ملؤها التشويه والتحريف والمغالطات، بينما أفرد الصفحات الطوال لمناقشة العقيدة الأشعرية والفلسفة الصوفية والتفاصيل التاريخية بحجّة الحفر التاريخي، حيث أرجع رقص أحدهم في الحراك إلى ظاهرة تمتد منذ القرن الهجري!). قلت إن الخطيئة الأخرى، هي تضخيم بعض الظواهر التي قد تشهدها مظاهرات الحراك، أو اختلاقها كليّة واعتبارها من السلّمات، كقوله مثلاً "إن الأمر وصل إلى رقص ومعاكسات في الحراك من شباب وفتيات" ص 158.

- إن أيّ تجمّع بشري كبير العدد، سواء كان في مظاهرة أو ملعب أو تجمّع سياسي أو حتى في الحرم المكي، لا شكّ أنه سيشوبه ظواهر سلبية، ليس من النزاهة العلمية تضخيمها أو اعتبارها هي القاعدة أو أساس الحدث، ومن ثمّ تحليلها وانتقادها والتشهير بها، إنما هذا هو نفس نهج الذباب الإلكتروني التابع لدوائر السلطة الذي عمل منذ أول يوم للحراك الشعبي من أجل هدمه والتخذيل عنه واعتباره مجرّد حفلة ماجنة أو تجمّع في ملهى ليلي، حتى قد يُخيّل لنا بسبب هذه الدعاية أن الحراك مجرّد مشهد إباحي وليس ثورة سلمية ملتزمة، وقد يصدّق هذه الأكاذيب من لم يشارك حقيقة في الحراك ويعايشه أسبوعًا بعد الآخر، ويهمل القاعدة الرئيسية والصبغة العامة لحراك شارك فيه مئات الآلاف: إنّه مظاهرات شديدة السلمية والالتزام، تنطلق من بيوت الله مباشرة بعد صلاة الجمعة لرجال يحملون العلم الوطني عن يمينهم وسجّادة الصلاة عن يسارهم، ويحمل في عمومه شعارات وطنية جامعة، وصور الشهداء، شارك فيه مواطنون ليسوا معصومين من الخطأ أو النقد بأي حال من الأحوال.

- إن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودولته، كان فيها الصحابي والتقيّ والعاصي والمنافق وشارب الخمر والقاتل والزاني ومن خلط عمل صالحًا وآخر سيئًا؛ ولم يمنعها من أن تؤسس لأعظم الحضارات التي سادت ثلاث قارات لعدّة قرون وتؤدي رسالة ربانية قرآنية بالغة في الرقيّ. وثورة التحرير التي نجحت في إنهاء عهد الاستعمار هي الأخرى لم يشارك فيها الملائكة أو الأنبياء المنزّهون، بل أشخاص يخطئون ويصيبون ومنهم من تورّط في خطايا أو مجازر أو صراع على السلطة، وهذه هي طبيعة البشر منذ الأزل، والتي لن تتغيّر أو تنتفي بمجرّد تبنيّ الأيديولوجيا التي يدعو إليها الكاتب.

- مقولة أخرى للكاتب عن مطالب الحراك: "المطالبة بأمور على أساس عرقي ولائي كتحرير ربراب رجل الأعمال دون سواه".. مرة أخرى يصنع الكاتب حراكًا متخيّلاً في ذهنه ثم ينتقده، فيطلق أحكامًا جزافية هكذا بلا أي دليل أو مرجع أو مصدر يمكن العودة إليه للتأكد من هذه التعميمات شديدة الإخلال. فيربط بين الحراك وبين هذا المطلب الغريب عنه، أي تحرير رجل الأعمال ربراب. أتذكّر جيّدًا كيف أن دعاية السلطة كانت تقول بأنّ الحراك في منطقة القبائل سوف يتوقّف بمجرد إخراج رجل الأعمال ربراب، ثم قيل إن الحراك سيتوقف بعد خروج توفيق من السجن، إلا أنه استمر في منطقة القبائل أكثر من جميع المناطق الأخرى بعد قمعها بالقبضة الأمنية.

لقد جرى تضخيم صورة ربراب ونفوذه بالمنطقة حتى يخيّل إلينا أن منطقة القبائل لا تتكوّن من مواطنين لهم مطالب وآمال وأشواق نحو الحرية مثل باقي الوطن، بل مجرّد أتباع للمدعو ربراب يأتمرون بأمره، واعتبار المظاهرات التي تخرج، هدفها الضغط من أجل إطلاق سراحه. بينما لم تكن المجموعة التي طالبت بإطلاق سراح، والمعدودة على أصابع اليد، سوى عمّال مصنع سيفيتال الذي يملكه في بجاية، والذين كانوا يخرجون في مربّع ضيّق وألبسة وألوان واضحة، بينما كان السواد الأعظم من الحراك في منطقة القبائل، سواء في بجاية أو تيزي وزو، وهو ما خبرته بصورة شخصية، عكس المؤلف الذي تابع مجريات الحراك خلف شاشة الهاتف؛ كانوا يرفعون ذات المطالب التي توافق عليها الشعب الجزائري، وهي "دولة مدنية ماشي عسكرية" و"الشعب يريد الاستقلال" وغيرها من الشعارات الجامعة، والأدلة على ذلك أكثر من أن تُساق.

- الخطأ المنهجي الآخر الذي وقع فيه الكاتب هو إسقاطه لتعريفاته وتفسيراته الشخصية لبعض شعارات الحراك من وحي خياله، ثم نقدها والتهجّم عليها، دون إعطاء أي مصدر أو مرجع لهذه التعريفات والتفسيرات. من بينها قوله "إن شعار "دولة مدنية ماشي عسكرية" تعني دولة علمانية تفصل الدين عن الدولة وتتيح الحرية بمفاهيم مغلوطة" ص160.لا نعرف من أي أتى الكاتب بهذا التعريف للدولة المدنية، فهو لم يضع مصدرًا لكلامه من قواميس العلوم السياسية أو المراجع المعتمدة في الفكر السياسي، إنما هذا مجرد تأويله الشخصي لمصطلح الدولة المدنية وربطها بالعلمانية.

بينما هذه العبارة العبقرية التي أضحت عنوان الحراك وشعاره الحقيقي، والتي تعرّضت لحملات ممنهجة من مجلّة الجيش ومن أبواق السلطة، وأضحت تزعج السلطة أيما إزعاج بسبب تطرّقها لأساس الأزمة، تضع يدها على مأزق الجزائر وإحدى أكبر مشكلاتها، وهي تدخّل العسكر وسيطرتهم وهيمنتهم على السلطة والمجال العام، فالدولة المدنية تفسّرها العبارة التي تليها: ماشي عسكرية، بمعني نزع يد العسكر عن التدخل في السياسة والاقتصاد والإعلام والقضاء والرياضة لصالح المدنيين المنتخبين. أما ربط المدنية بالعلمانية فهي من وحي الكاتب وحده دون أن يعطي أي مصدر أو مرجع لتعريفه الغرائبي العجيب.

- إن الحراك الشعبي، بعيدًا عن انطباعات الكاتب المنحرفة والتلفيقية، ثورة سلمية ملتزمة لم تكسر كأسًا واحدة ولا شهدت اعتداءًا على شرطي أو مواطن، شارك بها مئات الآلاف من الجزائريين لأكثر من 100 جمعة، رفعوا خلالها صور الشهداء والأناشيد الوطنية والمطالب الجامعة بعيدًا عن أية شعارات عنصرية أو عرقية، طالبوا خلالها برحيل النظام واسترجاع السيادة الشعبية ووقف الفساد وتكريس الديمقراطية وإنقاذ البلاد من التهديدات الوجودية التي تسبّب فيها احتكار العسكر للسلطة، في مشهد سلمي راق وبديع سيذكره تاريخ الجزائر طويلا.

أخيرًا: مرحبا بالنقد! لا شكّ أن الحراك الشعبي ليس ظاهرة ملائكية معصومة عن الخطأ، بل إن نقد هذا المجهود البشري ضروري جدًا وواجب من أجل استثماره مستقبلاً لتحقيق أهدافه وتجنّب أخطائه السابقة، لكن هذا النقد ينبغي أن يصدر أوّلًا عن حقائق ومعطيات صحيحة، وليس مجرّد انطباعات أو خرافات أو رؤية ذاتية لا علاقة لها بالواقع مثلما يعجّ به كتاب "حراك بلا أيديولوجيا". 

قراءة 256 مرات آخر تعديل في الجمعة, 01 أفريل 2022 13:18