السبت, 02 أفريل 2022 17:47

الطريق الثالث مميز

كتب بواسطة :

ربما البحث عن طريق ثالث، اليوم، قد يكون أحد الممكنات في تدبير الشأن السياسي وإدارة الصراع مع السلطة الفعلية. النظام لا يملك إلا عقلا واحدا، وليس يهمه إلا تحصين قلاعه وترهيب معارضيه، ليبقى، إذ لا يملك مشروعا غير البقاء في الحكم، هذا كل ما يشعل عقله، بأجنحته المتصارعة، من يحكم ومن يقرر، ومن له اليد العليا في السلطة، فكيف التحرك السياسي الواعي المتزن المستوعب للظرف في مثل هذه الحالة المُغلقة؟

كيف يمكننا إحداث اختراق في جدار السلطة الأمني، وليس حديديا كما كان في التسعينيات وربما لا يمكنهم أن يتوسعوا في سياسة الترهيب الأمني لاعتبارات؟ التحدي المباشر لا يفيد، والانغلاق في مربع الخطاب العدمي والرؤية المثالية: إما نحن وإما هم، اصطدم بحقيقية أن التغيير أعقد مما كنا نتصور، وليس الأمر هنا مرتبطا بمآسي الحكم وكوارثه، وفقط، بل حتى داخل حركة التغيير السلمية، نفتقد للطليعة السياسية المؤثرة العاقلة الحصيفة التي تحسن التدبير والتقدير، لا هي بالمندفعة المتهورة ولا هي بالمتلكئة المترهلة، لا تحبس عقلها في مربع لا تغادره، ولا ترى صلابة المبادئ في تصعيد الخطاب ورفع للسقف بما لا تتحمله طاقة الإمكان ولا حركة التغيير الشعبية نفسها، وأي تغيير في أي مكان، ولو في خطواته الأولى، لم يكن ليبدأ إلا بشجاعة في التدبير الممكن في بيئة مُترعة بالمزايدات والعنتريات وبقايا الخطابة، وجرأة التفكير والرؤية العملية والتدبير الممكن يثير سخط القابعين في النقطة نفسها التي انطلقوا منها..

الحريات هي أعلى وأعز ما يُطلب الآن، والسلطة معزولة في الداخل محاصرة من الخارج، فالروس يريدون الولاء والانتصار لهم وتحمل تبعات منطق الخنادق وضريبته، والغرب مغتاظ من هذا الانحياز، يرى فينا مضخة للغاز والبترول، وأن نكون تحت إشارته متى ما أراد نتجند له، وتفكك السلطة وهشاشتها يوردان البلد موارد الشرَ والتبعية المذلة ويبقيانها في مهاوي العجز والفشل والإفلاس، والسلطة أعجز من أن تواجه التحديات السياسية والاقتصادية والجغرافية الإستراتيجية، وكان لزاما، هنا، البحث عن أرضية سياسية جديدة أو الطريق الثالث، بين الانخراط في مسار النظام، وهذا هو السقوط عينه، وبين محاولة إحداث اختراق في عناد السلطة واعتماد خيار الكسب السياسي الجزئي، فالسلطة جزء من الحل ولا يمكن، بحال من الأحوال، تجاوزها في أي مسار تغييري، وإنما نعتمد التدرج في التغيير من دون صدام ولا تحدَ مباشر، والتخلص من أوهام: إما نحن أو هم، فلن يسلموا الحكم طواعية، ولن يكون انتقال سياسي للحكم في دفعة واحدة، وإنما هو مسار طويل متعرض ومراكمة للمكتسبات السياسية الجزئية، وخاصة ما تعلق بالحريات الأساسية.

وقد جاءت معظم التحولات من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية بعمليات واسعة ومتلاحقة، بدلاً من حدوثها دفعة واحدة. وأغلب حالات التحول قد حدثت تدريجيا، والطريق إلى الديمقراطية غالبا ما يبدأ قبل سنوات من لحظات التتويج، وغالبا ما تأخذ منحى متعرجا، وقد تكون للأحداث غير المتوقعة آثار كبيرة على مسارها.

إذا تعين الأمر لم يبق للاختيار اعتبار...ليس أمامنا، اليوم، إلا أن نبحث عن أرضية سياسية جديدة، ضاقت الممكنات، وإنما يكون للاختيار أثر إذا تقابل مُمكنان، ولم يكن أحدهما أولى من الثاني، ولم يتأتَ الجمع بينهما، ولا يمكننا الجمع بين الانخراط في مسار السلطة والتغيير الحقيقي المتدرجوعلى هذا، فالموازنة في وقتنا تنحصر بين ممكن هو الاستعداد لما هو قادم، تنظيما وتفكيرا وترتيبا، ومستحيل وهو تسليم النظام السلطة للشعب، هذا لن يكون بحكم الأمر الواقع، ولغة الأمانيَ والرجاء والانتظار والترقب لن تغير من الواقع شيء، والواجب شيء والممكن شيء، والعاقل الحكيم من يجمع بين الواقع والواجب، وينفذ الواجب بحسب استطاعته، لا من يلقي العداوة بين الواجب والممكن، فلكل زمان حكم...

فالممكن اليوم يضيق أمام طغيان السلطة الفعلية وغطرستها وتضخم حكم الفرد ومزاجه ونزواته وخياراته الكارثية..ما العمل؟ أن لا نتوقف عن التفكير في ما يمكن فعله، وهو درجات ومساحات، وكونك على الحق وكون خصمك وجلادك على الباطل لا يجعل من النصر ضربة لازم، بل دونه عمل ونضال ونضج وإبداع وتجديد وتطوير القدرات والقابليات وبحث عن الممكنات.

لن ننخرط في مسار السلطة الفعلية الحاليَ، فهذا لا جدوى منه ونكوص عن خيار التغيير الحقيقي وانقلاب على إرادة الجماهير، لأن الذي يحدث اليوم هو تفتيت لجهاز الدولة وهدم له وتمريغ أنف المنطق والتدبير السياسي في الأوحال، ولكن لن نعلق حركة التغيير بأوهام وعنتريات ورؤية عدمية وثنائية قاتلة، فماذا يمكننا فعله، إذن؟ إحداث ثغرات والتركيز على انتزاع الحريات واعتماد خطاب هادئ بعيدا عن التشنج ومنطق الصدام والمفاصلة الكلية.

قراءة 127 مرات آخر تعديل في السبت, 02 أفريل 2022 18:11